لهم بالتوحيد؟ فإن أجابوك وإلا فقل: إن الله هو الخالق لهذا الكون المالك المتصرف فيه، وقوله: ﴿كُتِبَ … ﴾ إلخ هذا استعطاف منه تعالى للمتولين عن الإقبال عليه، وإخبار منه بأنه رحيم بالعباد، قادر على أن يعاجلهم بالعقاب، ولكنه كتب على نفسه الرحمة ووعد بها فضلًا منه وإحسانًا ولم يوجبها عليه أحد. والكتابة تكون شرعية وتكون كونية (١)، فالكتابة الشرعية الأمرية كقوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥].
والكتابة في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤] كونية قدرية فقد كتب على نفسه الرحمة تفضلًا منه وإحسانًا من غير أن يوجبها عليه أحد كما قيل (٢): ما للعباد عليه حق واجب … كلا ولا سعى لديه ضائع إن عُذِّبُوا فبعدله أو نُعِّمُوا … فبفضله وهو الكريم الواسع.
«وإذا كان معقولًا من الإنسان أن يوجب على نفسه ويحرم، ويأمرها وينهاها، مع كونه تحت أمر غيره ونهيه، فالآمر الناهي الذي ليس فوقه آمر ولا ناه كيف يمتنع في حقه أن يحرم على نفسه ويكتب على نفسه، وكتابته على نفسه سبحانه تستلزم إرادته لما كتبه ومحبته له (٣) إرادة أن لا يفعله فإن محبته للفعل تقتضي وقوعه منه وكراهته لأن يفعله، فإن محبته للفعل تقتضي وقوعه منه، وكراهته لأن يفعله تمنع وقوعه منه، وهذا غير ما يحبه سبحانه من أفعال عباده ويكرهه، (فإن محبته ذلك منهم تستلزم وقوعه، وكراهته منهم لا تمنع وقوعه)(٤)،
(١) سبق أن ذكرنا في التعليق على (٦/ ١٨) الفرق بينهما. (٢) انظر: «شرح نونية ابن القيم» (ص ٢٤٥) … (٣) في مطبوع «الكواشف الجلية» بزيادة جملة وهي: «ورضاه به وتحريمه على نفسه يستلزم بغضه لما حرمه وكراهته له و … ». (٤) ما بين الهلالين ليس في «الكواشف الجلية».