كان من صفة الرحمة فهو غالب لما كان من صفة الغضب فإنه سبحانه رحيم ورحمته من لوازم ذاته كعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره وإحسانه فيستحيل أن يكون على خلاف ذلك، ليس كذلك غضبه فإنه ليس من لوازم ذاته ولا يكون غضبان دائمًا غضبًا لا يتصور انفكاكه، ورحمته وسعت كل شيء وغضبه لم يسع كل شيء، وهو سبحانه كتب على نفسه الرحمة ولم يكتب على نفسه الغضب، ووسع كل شيء رحمة وعلمًا ولم يسع كل شيء غضبًا وانتقامًا». اهـ.
الحديث الثاني: في هذا الحديث الجليل يخبرنا عين كرمه (١) وجوده وأنه متنوع، فهذان الرجلان اللذان قتل أحدهما الآخر، جعل الله لكل منهما (٢) سببًا أوصله الجنة (٣)، فالأول قاتل في سبيل الله فأكرمه الله على يد الرجل الآخر الذي لم يسلم بعد بالشهادة التي هي أعلى المراتب بعد مرتبة الصديقين، وأما الآخر فإن الله جعل باب التوبة مفتوحًا لكل من أراد التوبة بالإسلام (٤)، فلما تاب محا الله عنه الكفر وأثره (٥) ثم مَنَّ عليه بالشهادة؛ فدخل الجنة كأخيه الذي قتله.
الحديث الثالث: العجب: لغة استحسان الشيء، القنوط: شدة اليأس وقرب خيره؛ أي تغييره الحال من شدة إلى رخاء، أزلين: الأَزَلَ؛ بمعنى الشدة والضيق.
المعنى: يخبرنا الله أن الله - جل وعلا - يعجب من قنوط عباده عند احتباس المطر ويأسهم من نزوله، وقد اقترب وقت الفرج ورحمته لعباده بإنزال الغيث عليهم وتغييره لحالهم وهم لا يشعرون.
قال الشيخ: والسبب في أن فرج الله يأتي عند انقطاع الرجاء عن الخلق هو تحقيق توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، ومن كمال نعمة الله على عباده المؤمنين أن يمنع حصول مطالبهم بالشرك حتى يصرف قلوبهم إلى التوحيد، وقال ابن عدوان:
ويعجب ربي من قنوط عباده … فألق لما بينت سمعك واهتد
وفي رقية المرضى مقال (٦) نبينا … ألا ارق به مرضاك ياذا التسدد
رواه أبو داود ياذا وغيره ألا احفظ هداك الله سنة أحمد (٧)
(١) في مطبوع «الكواشف الجلية»: «كرم الله»، والحديث لم يسبق ذكره عند المصنف. (٢) في مطبوع «الكواشف الجلية»: «منها». (٣) في مطبوع «الكواشف الجلية»: «إلى الجنة». (٤) بعدها في مطبوع «الكواشف الجلية»: «فما دونه». (٥) في مطبوع «الكواشف الجلية»: «آثاره». (٦) في مطبوع «الكواشف الجلية»: «فقال». (٧) انظر: «الكواشف الجلية» (١٧١ - ١٧٣).