في هذه الآيات وما ماثلها إثبات لمشيئة الله التامة وإرادته الكونية القدرية والدينية الشرعية، وقد أجمع العلماء من المسلمين وسلف الأمة وأئمتها وأهل السنة قاطبة على إثبات مشيئة الله وإرادته (١).
(١) لكن هنالك فروق بين الإرادة الكونية القدرية والدينية الشرعية، يمكن إجمالها فيما يأتي: أولًا: الإرادة الكونية قد يحبها الله ويرضاها، وقد لا يحبها ولا يرضاها؛ أما الشرعية فلا بد أن يحبها ويرضاها؛ فالكونية مرادفة للمشيئة، والشرعية مرادفة للمحبة. ثانيًا: الإرادة الكونية مقصودة لغيرها كخلق إبليس مثلًا، وسائر الشرور؛ لتحصل بسببها محاب كثيرة، كالتوبة، والمجاهدة والاستغفار. أما الشرعية فمقصودة لذاتها؛ فالله أراد الطاعة وأحبها، وشرعها، ورضيها لذاتها. ثالثًا: الإرادة الكونية لا بد من وقوعها؛ فالله إذا أراد شيئًا وقع ولا بد، كإحياء أحد أو إماتته، أو غير ذلك، أما الشرعية كالإسلام - مثلًا -، فلا يلزم وقوعها، فقد تقع وقد لا تقع، ولو كان لا بد من وقوعها لأصبح الناس كلهم مسلمين. رابعًا: الإرادة الكونية متعلقة بربوبية الله وخلقه، أما الشرعية فمتعلقة بألوهيته وشرعه. خامسًا: الإرادتان تجتمعان في حق المطيع، فالذي أدى الصلاة - مثلًا - جمع بينهما؛ وذلك لأن الصلاة محبوبة لله، وقد أمر بها ورضيها وأحبها، فهي شرعية من هذا الوجه، وكونها وقعت دل على أن الله أرادها كونًا فهي كونية من هذا الوجه، فمن هنا اجتمعت الإرادتان في حق المطيع. وتنفرد الكونية في مثل: كفر الكافر، ومعصية العاصي، فكونها وقعت فهذا يدل على أن الله شاءها؛ لأنه لا يقع شيء إلا بمشيئته، وكونها غير محبوبة، ولا مرضية لله دليل على أنها كونية لا شرعية، وتنفرد الشرعية في مثل: إيمان الكافر، وطاعة العاصي، فكونها محبوبة الله فهي شرعية، وكونها لم تقع - مع أمر الله بها ومحبته لها ورضاه - هذا دليل على أنها - أيضًا - شرعية فقط؛ إذ هي مرادة محبوبة لم تقع. سادسًا: الإرادة الكونية أعم من جهة تعلقها بما لا يحبه الله ولا يرضاه؛ من الكفر والمعاصي، وأخص من جهة أنها لا تتعلق بمثل: إيمان الكافر، وطاعة الفاسق، والإرادة الشرعية أعم من جهة تعلقها بكل مأمور به، واقعًا كان أو غير واقع، وأخص من جهة أن الواقع بالإرادة الكونية قد يكون غير مأمور به. هذه فوارق بين الإرادتين، فمن عرف الفرق بينهما سلم من شبهات كثيرة، زلَّت بها أقدام، وضلت بها أفهام؛ فمن نظر إلى الأعمال الصادرة عن العباد بهاتين العينين كان بصيرًا، ومن نظر إلى الشرع دون القدر أو العكس كان أعور. انظر: «منهاج السنة النبوية» (٣/ ١٨٠ - ١٨٣، ٥/ ٣٦٠ و ٤١٣ و ٤١٤، ٧/ ٧٢، ٧٣)، وانظر: «شفاء العليل» (ص ٥٥٧)، و «تنبيه ذوي الألباب السليمة عن الوقوع في الألفاظ المبتدعة الوخيمة» للشيخ سليمان بن سحمان (ص ٦١ - ٦٢)، و «تعليق الشيخ ابن باز على الواسطية» (ص ٤١)، و «شرح الواسطية» للهراس (ص ١٠٠)، و «شرح الواسطية» للشيخ صالح الفوزان (ص ٤٢ - ٤٣)، و «القضاء والقدر» للأشقر =