بالمعافاة ثم بالرضا، قال ابن الأثير (١): «إنما ابتدأ بالمعافاة من العقوبة؛ لأنها من صفات الأفعال كالإماتة والإحياء، والرّضا والسخط من صفات الذات (٢)، وصفات الأفعال أدنى رتبةً من صفات الذات، فبدأ بالأدنى مترقيًا إلى الأعلى، ثم لما ازداد يقينًا وارتقاء ترك الصفات وقصر نظره على الذات، فقال:«أعوذ بك منك» ثم لما ازداد قُربًا استحيا معه من الاستعاذة على بساط القرب، فالتجأ إلى الثناء فقال:«لا أحصي ثناء عليك»، ثم علم أن ذلك قُصور، فقال:«أنت كما أثنيت على نفسك»»» (٣).
[فصل]
قال محمد تقي الدين: لقد أحسن صاحب «اللسان» حين أخبر أن الرضا صفة ذات الله تعالى، والجهمية وغلاة المتصوفة ينفون صفتي الرضا والسخط عن الله تعالى، ويؤولون الرضا بالثواب والسخط بالعقاب، وهم كاذبون لأن الله وصف نفسه بالرضا كما تقدم، ووصف نفسه بالسخط في قوله في سورة المائدة: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠)﴾ الآية [٧٨ - ٨٠].
ففي قوله تعالى: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ إثبات صفة السخط الله تعالى على بعض عباده، ولا يجوز تأويله بالعقاب؛ لأنه عطف عليه قوله: ﴿وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ ولا يجوز في الكلام الفصيح أن يقال: عاقبهم وعاقبهم أو عذبهم وعذبهم؛ لأن العطف في الغالب يقتضي المغايرة، والنادر لا حكم له.
قال تعالى في سورة القتال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية [٢٨].
ولا يجوز تأويله بأنهم أوجبوا عليه عقابهم، والله تعالى يعبر عن الثواب إذا أراده بحروفه.
(١) في «النهاية» (٢/ ٢٣٢). (٢) كذا في «النهاية» وهو الصواب، وفي الأصل: «القلب»! (٣) انظر: «لسان العرب (٣٢٣، مادة «رَضِيَ»).