وقال تعالى في المؤمنين من أهل الكتاب الذين كانوا نصارى فسمعوا ما أنزل إلى الرسول ففاضت أعينهم من الدمع فقالوا: ﴿آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣] ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٨٤ - ٨٥].
ويعبر عن العذاب بحروفه إذا أراده، كما قال تعالى في سورة المائدة: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ الآية [١١٥] ومثل ذلك كثير في القرآن.
وأثبت الله سبحانه صفة الغضب لنفسه، فمن ذلك: قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ الآية [٩٣].
ولا يجوز أن يؤول غضب هنا بمعنى عذاب؛ لأنه مخل بالفصاحة والبلاغة، قال صاحب «الكواشف»(ص ١٢٢): «قال الشيخ رحم الله (يعني شيخ الإسلام): وقد ثبت بالسمع اتصاف الباري بالأفعال الاختيارية به كالاستواء على العرش والقبض والبسط والنزول والخلق والرزق، المتعلقة بنفسه والمتعدية إلى الخلق، والفعل المتعدي واللازم لا بد أن يقوم بالفاعل، ويمتنع عقلًا وشرعًا أن يقوم بالفاعل، ويمتنع عقلًا وشرعًا أن يقوم بغيره في الحالين، وهذه الأفعال الاختيارية تبع لقدرته ومشيئته فما شاء قاله وتكلم به، وما شاء فعله في الحال والماضي والمستقبل، هذا أصل متفق عليه بين السلف وعليه دل الكتاب والسنة».
قال ابن القيم في النونية (١):
أو ما علمت بأنه سبحانه … حقًا يُكَلِّمُ حِزْبَهُ بِجِنَانِ