للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

فوجوده تعالى يستحيل عليه العدم، ووجود المخلوق لا يستحيل عليه العدم، وما سمى به الرب نفسه وسم به مخلوقاته مثل: الحي والعليم والقدير، أو سمى به بعض صفاته كالغضب والرضا، وسمى به بعض صفات عباده، فنحن نعقل بقلوبنا معاني هذه الأسماء في حق الله تعالى وأنه حق ثابت موجود، ونعقل أن بين المعنيين قدرًا مشتركًا، لكن هذا المعنى لا يوجد في الخارج مشتركًا، إذ المعنى المشترك الكلي لا يوجد إلا في الأذهان، ولا يوجد في الخارج إلا معينًا مختصًا، فيثبت في كل منهما كما يليق به، بل لو قيل: غضب مالك خازن النار وغضب غيره من الملائكة لم يجب أن يكون مماثلًا لكيفية الآدميين؛ لأن الملائكة ليسوا من ذوي الأخلاط الأربعة حتى تغلي دماء قلوبهم كما يغلي دم قلب الإنسان عند غضبه فغضب الله أولى.

وقد نفى الجهم ومن وافقه كل ما وصف الله به نفسه من كلامه ورضاه وغضبه وحبه وبغضه وأسفه ونحو ذلك، وقال: إنما هي أمور مخلوقة منفصلة عنه ليس هو في نفسه متصفًا بشيء من ذلك! وعارض هؤلاء من الصفاتية ابن كلاب ومن وافقه فقالوا: لا يوصف الله بشيء يتعلق بمشيئته وقدرته أصلًا، بل جميع هذه الأمور صفات لازمة لذاته قديمة أزلية، فلا يرضى في وقت دون وقت ولا يغضب في وقت دون وقت، كما في حديث الشفاعة: «إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله» (١)». اهـ.


(١) قطعة من حديث طويل، أخرجه البخاري كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ (٣٣٤٠)، ومسلم كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١٩٤) من حديث أبي هريرة ، وما سبق من «شرح العقيدة الطحاوية» (٥٢٤ - ٥٢٧)، و «الكواشف الجلية» (٨٥ - ٨٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>