«ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب والرضى والعداوة والولاية والحب والبغض ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة، ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى كما يقولون مثل ذلك في السمع والبصر والكلام وسائر الصفات.
قال: ولا يقال: إن الرضا إرادة الإحسان، والغضب إرادة الانتقام، فإن هذا نفي للصفة، وقد اتفق أهل السنة على أن الله يأمر بما يحبه ويرضاه، وإن كان لا يريده ولا يشاؤه وينهى عما يسخطه ويكرهه ويبغضه ويغضب على فاعله وإن كان قد شاءه وأراده، فقد يحب (١) ويرضى ما لا يريده ويكره ويسخط ويغضب لما أراده، ويقال لمن تأول الغضب والرضا بإرادة الإحسان: لم تأولت ذلك؟ فلا بد أن يقول: لأن (٢) الغضب غليان دم القلب، والرضى الميل والشهوة وذلك لا يليق بالله تعالى، فيقال له: غليان دم القلب في الآدمي أمر ينشأ عن صفة الغضب ويقال أيضا: وكذلك الإرادة والمشيئة فينا هي ميل الحي إلى الشيء أو إلى ما يلائمه ويناسبه، فإن الحي منا لا يريد إلا ما يجلب له منفعة أو يدفع عنه مضرة، وهو محتاج إلى ما يريده ومفتقر إليه يزداد بوجوده وينقص بعدمه، فالمعنى الذي صرفت إليه اللفظ كالمعنى الذي صرفته عنه سواء؛ فإن جاز هذا جاز هذا وإن امتنع هذا امتنع ذاك، فإن قالوا: الإرادة التي يوصف الله بها مخالفة للإرادة التي يوصف بها العبد وإن كان كل منهما حقيقة، قيل له: فقل: إن الغضب والرضا الذي يوصف الله به مخالف لما يوصف به العبد وإن كان كل منهما حقيقة، فإذا كان كل ما يقوله في الإرادة يمكن أن يقال في هذه الصفات لم يتعين التأويل بل يجب تركه؛ لأنك تسلم من التناقض وتسلم أيضا من تعطيل معنى أسماء الله تعالى وصفاته بلا موجب، فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام ولا يكون الموجب للصرف ما دل عليه عقله إذا العقول مختلفة فكل يقول: إن عقله دل على خلاف ما يقوله الآخر.
وهذا الكلام يقال لكل من نفى صفة من صفات الله تعالى؛ لامتناع ذلك في المخلوق، فإنه لا بد أن يثبت شيئا لله تعالى على خلاف ما يعهده حتى في صفة الوجود، فإن وجود العبد كما يليق به ووجود الباري كما يليق به.
(١) بعدها في مطبوع «شرح العقيدة الطحاوية»: «عندهم». (٢) في مطبوع «شرح العقيدة الطحاوية»: «إن».