فأورد عليهم الإنسان الذي يأكله حيوان، وذلك الحيوان أكله إنسان، فإن أعيدت تلك الأجزاء من هذا، لم تعد من هذا، وأورد عليهم: إن الإنسان يتحلل دائمًا، فماذا الذي يعاد؟ أهو (١) الذي كان وقت الموت؟ فإن قيل بذلك، لزم أن يعاد على صورة ضعيفة، وهو خلاف ما جاءت به النصوص، وإن كان غير ذلك، فليس بعض الأبدان بأولى من بعض، فادعى بعضهم أن في الإنسان أجزاء أصلية لا تتحلل ولا يكون فيها شيء من ذلك الحيوان الذي أكله الثاني، والعقلاء يعلمون أن بدن الإنسان نفسه كله يتحلل، ليس فيه شيء باق فصار ما ذكروه في المعاد مما قوى شبهة المتفلسفة في إنكار معاد الأبدان.
والقول الذي عليه السلف وجمهور العقلاء: أن الأجسام تنقلب من حال إلى حال، فتستحيل ترابًا ثم ينشئها الله نشأة أخرى، كما استحال في النشأة الأولى، فإنه كان نطفة، ثم صار علقة، ثم صار مضغة، ثم صار عظامًا ولحمًا، ثم أنشأه خلقًا سويًا، كذلك الإعادة، يعيده الله بعد أن يبلى كله إلا عجب الذنب كما ثبت في «الصحيح»(٢) عن النبي ﷺ، أنه قال:«كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب منه خلق ابن آدم ومنه يركب». وفي حديث آخر:«إن السماء تمطر مطرًا كمنيّ الرجال، ينبتون في القبور كما ينبت النبات»(٣).
ومضى إلى أن قال: «ومعلوم أن من رأى شخصًا وهو صغير ثم رآه وقد صار شيخًا، علم أن هذا هو ذاك، مع أنه دائمًا في تحلل واستحالة، وكذلك سائر الحيوانات والنبات فمن رأى شجرة وهي صغيرة، ثم رآها كبيرة، قال: هذه تلك، وليست صفة تلك النشأة الثانية مماثلة لصفة هذه النشأة، حتى يقال: إن
(١) كذا في مطبوع «شرح الطحاوية»، وفي الأصل: «هو». (٢) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ (٤٩٣٥)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب «ما بين النفختين» (٢٩٥٥) من حديث أبي هريرة. (٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٧/ ٥١١)، ونعيم بن حماد في «الفتن» (١٦٥٧)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٩/ رقم ٩٧٦١)، والحاكم (٤/ ٥٤١)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٣١٤ و ٤٦٣)، وضعفه شيخنا في تعليقه على «الطحاوية» (٤٦٣).