بَعْدَ أَنْ شَرَطَ أَنْ لَا يَلْبَسَ خُلْعَةَ حَرِيْرٍ، وَلَا يَرْكَبَ فِي المَوَاكِبِ، وَلَا يَقْتَنِي مَرْكُوْبًا، فَأُجِيْبَ إِلى ذلِكَ، وَلَمَّا لَبِسَ الخُلْعَةَ بِدَارِ السَّعَادَةِ خَرَجَ مَاشِيًا إِلَى الجَامِعِ، وَمَعَهُ الصَّاحِبُ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الأَعْيَانِ مُشَاةٌ، فَقُرِئ تَقْلِيْدُهُ، ثُمَّ خَلَعَهَا، وَتَوَجَّهَ إِلَى "الصَّالِحِيَّةِ".
قَالَ الذَّهَبِيُّ في "مُعْجَمِهِ المُخْتَصِّ" بَرَعَ فِي المَذْهَبِ وَالعَرَبِيَّةِ. وَأَقْرَأَ النَّاسَ مُدَّةً، عَلَى وَرَعٍ وَعَفَافٍ، وَمَحَاسِنَ جَمَّةٍ، ثُمَّ وَلِيَ القَضَاءَ بَعْدَ تَمَنُّعٍ، وَشُكِرَ وَحُمِدَ. وَلَمْ يُغيِّرْ زِيِّهِ، وَلَا اقْتَنَى دَابَّةً، وَلَا أَخَذَ مَدْرَسَةً، وَاجْتَهَدَ فِي الخَيْرِ وَفِي عِمَارَةِ أَوْقَافِ الحَنَابِلَةِ. اهـ. وَكَانَ مِنْ قُضَاةِ العَدْلِ، مُصَمِّمًا عَلَى الحَقِّ، لَا يَخَافُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ (١)، وَهُوَ الَّذِي حَكَمَ عَلَى ابنِ تَيْمِيَّةَ بِمَنْعِهِ منَ الفُتْيَا بِمَسَائِلِ الطَّلَاقِ وغَيْرِهَا مِمَّا يُخَالِفُ المَذْهَبَ (٢).
(١) قَالَ الصَّفَدِيُّ: "كَانَ مِنْ قُضَاةِ العَدْلِ فِي أَحْكَامِهِ، مِنْ أَئِمَّةِ الهُدَى فِي نَقْضِهِ وَإِبْرَامِه، مُطَّرِحَ التَّكَلُّفِ فِي أَحْوَالِهِ، مُتَوَخِّيَ الصِّدْقَ وَالحَقَّ فِي أَقْوَالِهِ، عَمَّرَ الأَوْقَافَ وَضَبَطَهَا، وَحَاسَبَ العُمَّالَ وَأَمْسَكَ القَوَاعِدَ وَرَبَطَهَا، وَحَرَّرَ الاسْجَالَاتِ، وَتَوَقَّفَ فِي العَدَالَاتِ، وَلَازَمَ الوَرَعَ وَالتَّحَرِّيَ، وَمنَعَ الظَّلَمَةَ مِنَ التَّعَدِّي وَالتَّجَرِّي، وَبَاشَرَ أُمُوْرَ الحُكْمِ بِقُوَّةٍ وَصَلَابَةٍ فِي الدِّيْنِ، وَكَفَّ يَدَ الظَّلَمَةِ وَالمُتَعَدِّيْنَ، فَهُوَ كَمَا قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ:قَاضٍ إِذَا اشْتَبَهَ الأَمْرَانِ عَنَّ لَه … رَأْيٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ المَاءِ وَاللَّبَنِالقَائِلُ الصِّدْقَ فِيْهِ مَا يَضُرُّ بِهِ … وَالوَاحِدُ الحَالَتَيْنِ السِّرِّ وَالعَلَنِوَلَمْ يَزَلْ عَلَى حَالِهِ إِلَى أَنْ حَجَّ. . .".(٢) يَجِبُ أَنْ لَا يُفْهَمَ مِنْ ذلِكَ أَنَّهُ يُعَارِضُ شَيْخَ الإِسْلَامِ رَحِمَهُمَا اللهُ، وَإِنَّمَا يُخَالِفُهُ فِي مَسْأَلَةِ (الطَّلَاقِ) وَشِبْهِهَا؛ لِذَا حَكَمَ عَلَيْهِ. فَقَدْ نَقَلَ الصَّفَدِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ انْتَصَرَ لاِبْنِ تَيْمِيَّة =
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.