البيت الحرام، أوّل بيت وضع للناس، ورفع على قديم الأساس، بنى مثالا للبيت المعمور، ودعي إليه كل مأمور. وأذّن إبراهيم (صلوات الله عليه) إليه بالحجّ، ودعا إليه الناس فأتوه من كل فج. حجّته الملائكة قبل آدم، وجاءته وعهده ما تقادم. ويقال إنه لم يبق نبيّ حتى حجّه. ويعدّ عدة أنبياء دفنوا في الحجر منه. ولم تزل شعائره مكرّمه، ومشاعره محرّمه. عظّم في الجاهلية والإسلام، وحرّم من حيث بنيت الأعلام. ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اَللّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى اَلْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]. وهو البيت المحجوج المحجوب، والمقصود بالزيارة قصد الوجوب. وبه الحجر الأسود الذي هو يمين الله في أرضه، (والشاهد لمن حجّ وقبّله بأداء فرضه. سماء الدعاء، وحرم تحريم الدماء. يأمن به الحمام ساكنا، ومن دخله كان آمنا)(١).
وعن أبي ذرّ الغفاريّ. قال (٢): «قلت يا رسول الله: أيّ مسجد وضع في الأرض؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أيّ؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة». رواه البخاريّ، وأبو عروبة وزاد: وأينما أدركتك الصلاة فهو مسجد.
قال ابن جرير الطبريّ (٣): «اختلف أهل التأويل في قوله تعالى [٦٢]: ﴿إِنَّ﴾
(١) ما بين القوسين استدركه المؤلف في الحاشية. (٢) حديث أبي ذر، أخرجه البخاري في صحيحه (١٣٨٦)، (٣٢٤٣)، ومسلم (٨٠٨)، (٨٠٩) أحمد ٥/ ١٥٠، ابن خزيمة ٢/ ٢٦٨ والنسائي (٦٨٣) ابن ماجه (٧٤٥) (٣) تفسير ابن جرير الطبري (جامع البيان في تفسير القرآن)، طبعة بولاق (١٣٢٤ هـ) ٤/ ٦.