للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

معاشه، فيما ذكرناه أو غير ذلك، مما يتفرّع منه أو يترتّب عليه.

زعموا أنه لو وقع إنسان إلى برّية يهماء (١)، لا ساكن بها، لم يكن له دأب إلّا طلب سبب البقاء، بما يصيد منه ليأكل، فإذا أكل، طلب ما هو أزيد سببا، فزرع، فإذا زرع، طلب ما هو أزيد سببا، فتاجر، ثم تفرّع معاشه، وتشعّبت أسبابه، فاحتاج حينئذ إلى معرفة أجزاء الأرض وعوالمها، ليعرف أين كسبه، ومن أين معاشه، ولا يمكنه أن يقصد أرضا في برّ ولا بحر، إلا بأعلام [٣٠] دالّة عليها، كالنجوم اللائحة، والجبال الماثلة، والأنهار الجارية، والأهوية الهابّة، وليس هذا موضع ذكرها، لكنا نذكرها، إن شاء الله تعالى، عند ذكر معرفة القبلة في كل أرض.

وإنّما نذكر ههنا ما هو لائق به، وهو ما هو جمليّ من أحوال في الأرض لازمة لها، من بعضيّاتها المشهورة في جميع الأقطار: كالجبال العظيمة، والأنهار المتبحّرة، فأما البحار، فإننا قد أفردناها بذاتها، وسيأتي ذكرها في موضعه، ولم نذكرها هنا مع الأرض، كما نذكر الجبال والأنهار، لأنّ الجبال والأنهار من عالم الأرض، وأمّا البحار، فإنها عالم آخر، أكبر من عالم الأرض، بما لا نسبة بينهما، فوجب إفرادها بذاتها، إذ كانت كشيء آخر.

ونحن نقدّم الجبال على الأنهار، لأنها أعلى أعلاما، وأثبت في مواضعها مقاما، وأكثرها على حالها، لا تتغيّر دواما.

[[الجبال]]

والذي نقول الآن: إنّ الجبال كلّها متشعّبة من الجبل المستدير بغالب معمور الأرض، وهو المسمّى بجبل قاف، وهو أمّ الجبال، كلّها تتشعب منه، فتتصل في


(١) بهماء: مفازة لا ماء فيها، ولا يهتدى لطرقها. اللسان: (يهم).

<<  <  ج: ص:  >  >>