يطلب مركزه، والماء لا يجري إلاّ من العالي إلى المنخفض من الأرض، يطلب مركزه، وكذلك التراب، حيث رميت به الجوّ، ينحطّ إلى الأرض: يطلب مركزه.
فهكذا الإنسان: لا يطلب إلاّ مركزه، وهو التراب: إذا كان أكثر أجزائه من التراب: وإلى هذا أشار الشريف بقوله (١): «والنسيم جاذب لما في أبدانهم من الخفّة، والأرض جاذبة لما في أبدانهم من الثّقل» وقد ذكرناه آنفا.
ولهذا لم يقدّروا في المركبات وجود الاعتدال المتساوي [٢٩] في أجزاء التركيب: إذ لو كانت كذلك، لجذبتها العناصر الأربعة، جذبا متساويا، فلم يكن له مركز خاص، وذلك محال.
وأقلّ أجزاء العناصر في الحيوان غالبا، النار، ثم يتفاوت الحيوان في ذلك، ولهذا تقوى [الحيوانات] على النار قوّتها على الماء والتراب والهواء، ثمّ يتفاوت الحيوان في ذلك، مال كلّ إلى ما غلب على تركيبه، ولا يهاب الحيوان شيئا يقتحمه، كما يهاب اقتحام النار، ولهذا كانت النار العذاب الموعود به: لمنافرة ما بينهما وبين الحيوان، لقلّة موجودها به في جزء التركيب، كما أشرنا إليه، والله يفعل ما يشاء لا رادّ لأمره، ولا معقّب لحكمه.
فلمّا كان الإنسان، ما غلب على تركيبه، أرضيا ترابيا، من الأرض مبدؤه، وإليها معاده ثمّ منها عوده، كما قال تعالى: ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها [٢٨] نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥]، اضطرّ إلى مركزه، واحتاج إلى الاضطراب في أرجاء الأرض، للكسب: إمّا للصيد، وهو أول رتب المعاش، أو الزراعة، وهي ثاني رتب المعاش، أو التجارة، وهي ثالث رتب المعاش، على ما يأتي بيانه، فلم يكن له غنى عن معرفة جهات الأرض، ليمتدّ فيها لأسباب
(١) نزهة المشتاق ١/ ٧، وسبق ذكر قول الإدريسي في صفحة ٤٨.