للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قيام الساعة، ودخل إلى باب الجامع لكن لغير طاعة، وكاد يصلى من به يصلي، ويقبل على صفّ العابدين فيولّي. واهتزّت المئذنة بحمّى نافض، وتشعث وجه المشهد الأبي بكريّ فكأنما أصابته عين الروافض، وترقرقت عيون العابدين من الألم، ورقّ صحن الجامع لمأتم [١٥٠] هداة الساجدين من المأذنة بنار على علم، وما زالت مرآة اللّهب حتى خرّبت المنار، وصفّ بعد ذلك في صحن الجامع ما فضل عن أكل النار».

قلت: وهذا المسجد معمور بالناس كلّ النهار وطرفي الليل، لأنه ممر المدارس والبيوت والأسواق. وفيه ما ليس في غيره من كثرة الأئمة والقراء، ومشايخ العلم والإقراء، ووجوه أهل التصدير والإفتاء، ووظائف الحديث وقراء الأسباع والمجاورين من ذوي الصلاح. فلا تزال أوقاته معمورة بالخير، آهلة بالعبادة. قلّ أن يخلو طرفة عين في ليل أو نهار من مصلّ، أو جالس في ناحية منه لاعتكاف، أو مرتل لقرآن، أو رافع عقيرته بأذان، أو مكرر في كتاب علم، أو سائل ومسؤول، ومفت ومستفت. هذا إلى من يأتي هذا المسجد مستأنسا لحديث، أو مرتقبا لقاء أخ، أو متفرجا في فضاء صحنه وحسن مرأى القمر والنجوم ليلا في سمائه. هذا إلى فسحة الفضاء وطيب الهواء وبرد رواقاته، أوقات الهجير، وحسن مرائي ميازيبه، أحيان المطر. وفي كل ناحية من وجهها قمر.

وعلى هذا الجامع من الوظائف المرتبة ما لا يستقلّ به إلا ديوان ملك، وعليه جلائل الأوقاف. إلّا أن الأيدي العادية قد استولت على كثير منه لسبه (١) الأكابر والمناصبات، وغير ذلك مما عمل عليه على سبيل النّصبات.

وقد أضيف إليه وقف المصالح، وقد كان أفرد زمن نور الدين، .


(١) في الأصل «لسبه الأكابر والمناصبات» وفي الكلام إبهام. ولعل المؤلف أراد أن يقول:
«لشبه المكابرات والمناصبات». (زكي)

<<  <  ج: ص:  >  >>