للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:
مسار الصفحة الحالية:

فمن هذا يتبين: أن الثقة الذي يغرب إذا كان ما يتفرد به إنما يتفرد به عن الثقات، فهذا ليس فيه مأخذ عليه، بل ينبغي أن يكون مدحًا له؛ لأنه قد انفرد بحفظ سنن هذه الأمة لولاه لضاعت، أما إذا كان يغرب عن الضعفاء، فهذا إذا كان لا يؤثر على كونه ثقة من حيث الإطلاق، فإنه يؤثر على مرتبته بين الثقات؛ لأن من المعلوم أن الثقات على مراتب يقدم بعضها على بعض، كما أن الضعفاء مراتب؛ لأن الثقة الذي لا يروي عن غير الثقات أرفع مكانة من الثقة الذي يعتمد أحيانًا الرواية عن الضعفاء، وهذا أرفع من الذي يروي عن الضعفاء أكثر منه وهكذا.

وذلك لأن الثقة الذي ينقي رجاله أوثق من الذي يروي عن كل من هَبَّ ودبَّ، وهذا مهم جدا للترجيح بين أحاديث الثقات عند التعارض، وهذا سبب من أسباب ترجيح المراسيل بعضها على بعض، فإن أحد الأسباب التي رجحت بموجبها مراسيل سعيد بن المسيب على غيره، هو أن سعيدًا ينقي رجاله، وهذا هو السبب في الحكم بجودة مراسيل طاوس وابن سيرين وإبراهيم النخعي؛ لأنهم ينقون رجالهم بينما ضعفوا مراسيل أبي العالية والحسن وقتادة؛ لأنهم لا ينقون رجالهم فيروون عن الثقات وغيرهم.

ثم إن معرفة الذين يغربون تنفع في معرفة مظان الغرائب، والعلماء يهتمون بذلك، ولهذا ألف المقدسي كتاب: "أطراف الغرائب والأفراد" وهو كتاب رتب فيه على الأطراف كتاب: "الأفراد" للدارقطني.

فهل تبين للمعترض مما ذكرناه المعنى الكبير لعبارة الحافظ: ثقة يغرب، وهل تبين له لماذا قلنا: بأن اعتراضه لا معنى له؟ ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم". (مدرسة أهل الحديث في اليمن: ص ٣٠٩ - ٣١١).

* * *

<<  <   >  >>