وليس عندهم بمفعول ولا مخلوق ولا مقدور عليه، وينفون عنه سمعه وبصره وسائر صفاته!
فهذا إيمانهم بالله، وأما كتبه عندهم، فإنهم لا يصفونه بالكلام فلا يكلم ولا يتكلم ولا قال ولا يقول، والقرآن عندهم فيض فاض من العقل الفعال على قلب بشر زاكي النفس طاهر، متميز عن النوع الإنساني بثلاث خصائص: قوة الإدراك وسرعته؛ لينال من العلم أعظم ما (١) يناله غيره، وقوة النفس؛ ليؤثر بها في هيولي العالم، يقلب صورة إلى صورة! وقوة التخييل (٢)؛ ليخيل بها القوى العقلية في أشكال محسوسة، وهي الملائكة عندهم وليس في الخارج ذات منفصلة تصعد وتنزل وتذهب وتجيء وترى وتخاطب الرسول، وإنما ذلك عندهم أمور ذهنية لا وجود لها في الأعيان، وأما اليوم الآخر فهم أشد الناس تكذيبًا وإنكارًا له في الأعيان.
وعندهم أن هذا العالم لا يخرب (٣)، ولا تنشق السموات ولا تنفطر، ولا تنكدر النجوم ولا تكور الشمس والقمر، ولا يقوم الناس من قبورهم ويبعثون إلى جنة ونار، كل هذا عندهم أمثال مضروبة لتفهيم العوام، لا حقيقة لها في الخارج، كما يفهمها (٤) أتباع الرسل، فهذا إيمان هذه الطائفة الذليلة الحقيرة ﴿بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ١٣٦] وهذه هي أصول الدين الخمسة.
ثم قال شارح «الطحاوية»: وأصول أهل السنة والجماعة تابعة لما جاء به الرسول، وأصل الدين الإيمان بما جاء به الرسول، كما تقدم بيان ذلك، ولهذا كانت الآيتان من آخر سورة البقرة - لما تضمنتا هذا الأصل -: لهما شأن عظيم ليس لغيرهما، ففي «الصحيحين»(٥) عن أبي مسعود عقبة بن عمرو، عن النبي ﷺ قال:«من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه».
(١) كذا في مطبوع «شرح العقيدة الطحاوية»، وفي الأصل: «مما». (٢) كذا في مطبوع «شرح العقيدة الطحاوية»، وفي الأصل: «التخيل». (٣) في مطبوع «شرح العقيدة الطحاوية»: «لا يحرب»، والصحيح المثبت. (٤) في مطبوع «شرح العقيدة الطحاوية»: «يفهم». (٥) أخرجه البخاري كتاب المغازي، باب منه (٤٠٠٨)، ومسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة والحث على قراءة الآيتين من آخر البقرة (٨٠٧) من حديث أبي مسعود البدري.