الحديث. وفي ذلك الدعاء أيضًا تعليم لأمته، وإلا فهو مقطوع له بأعلى درجات الجنة، لقوله تعالى في سورة الإسراء الآية [٧٩]: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾، وعَسَى من الله واجبة، روى البخاري عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال:«من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة»(١). فقد ثبت بالآية والحديث أن المقام المحمود أعلى الدرجات، وقد وعد الله خير خلقه محمدًا ﷺ ذلك المقام. والله لا يخلف الميعاد، ومع ذلك سأل الله تعالى أن يجعل حسابه يسيرًا تعبدًا وشرع ذلك لأمته دعاءً، والتجانيون لا يمكنهم أن يسألوا الله تعالى أن يحاسبهم حسابًا يسيرًا، لأنهم زعموا أن النبي ﷺ ضمن لشيخهم أنهم لا يحاسبون أصلًا لا حسابًا يسيرًا ولا حسابًا عسيرًا، بل يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، هم وأولادهم وأزواجهم ولو عملوا من الذنوب ما عملوا، وبلغوا من المعاصي ما بلغوا. انظر كتابي:«الهدية الهادية إلى الطائفة التجانية»(٢).
قال (ك): «قوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ يحتمل أنهم يقومون بين يدي الله تعالى صفًا أو صفوفًا (٣)، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مرة﴾ هذا تقريع للمنكرين للمعاد، وتوبيخ لهم على رؤوس الأشهاد، ولهذا قال سبحانه (٤): ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ أي: ما كان ظنكم أن هذا واقع بكم ولا أن هذا كائن، وقوله تعالى (٥): ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ أي: كتاب الأعمال الذي فيه الجليل والحقير (٦) والصغير والكبير ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ أي: من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا﴾ أي: يا حسرتنا وويلنا
= عبد الرحمن بن إسحاق عن القاسم بن عبد الرحمن عن ابن مسعود. وفي عبد الرحمن بن إسحاق وهو الواسطي، وهو ضعيف ثم هو منقطع. (١) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب الدعاء عند النداء (٦١٤) من حديث جابر بن عبد الله ﵁. (٢) انظر منه (ص ٨٣٠ وما بعد). (٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «يحتمل أن يكون المراد أن جميع الخلائق يقومون بين يدي الله صفًا واحدًا». (٤) في مطبوع «تفسير ابن كثير» زيادة: «مخاطبًا لهم». (٥) في مطبوع «تفسير ابن كثير» بدون: «تعالى». (٦) في مطبوع «تفسير ابن كثير» زيادة: «والفتيل والقطمير».