الحِسَابِ (١٧)﴾ [غافر: ١٧] يخبر تعالى عن عدله في حكمه بين خلقه، أنه لا يظلم مثقال ذرة من خير ولا من شر، بل يجزي بالحسنة عشر أمثالها وبالسيئة واحدة ولهذا قال ﵎: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ كما ثبت في «الصحيح» عن أبي ذر (١) عن رسول الله ﷺ فيما يحكي عن ربه ﷺ أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا - إلى أن قال: - يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله ﵎ ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه»(٢)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: يحاسب الخلائق كلهم كما يحاسب نفسًا واحدة، كما قال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، وقال جل وعلا: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠](٣).
وقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الكهف: ٤٩] أي: كتاب الأعمال الذي فيه الجليل والحقير والصغير والكبير ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ أي: من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا﴾ أي: يا حسرتنا وويلنا على ما فرطنا في أعمارنا: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ أي: لا يترك ذنبًا صغيرًا ولا كبيرًا إلا أحصاه وضبطه، وروى الطبراني بإسناده المتقدم في الآية قبلها إلى سعد بن جنادة قال:«لما فرغ رسول الله ﷺ من غزوة حنين نزلنا قفرًا من الأرض ليس فيه شيء»، فقال النبي ﷺ:«اجمعوا، من وجد عودًا فليأت به، ومن وجد حطبًا أو شيئًا فليأت به» قال: فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركامًا، فقال النبي ﷺ:«أترون هذا؟ فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم كما جمعتم هذا، فليتق الله رجل ولا يذنب صغيرة ولا كبيرة، فإنها محصاة عليه»(٤).
وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ أي: من خير أو شر كما قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ أي فيحكم بين عباده في أعمالهم جميعًا ولا يظلم أحدًا من خلقه، بل يعفو
(١) في مطبوع «تيسير العلي القدير» زيادة: «﵁». (٢) أخرجه مسلم كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر ﵁. (٣) انظر: «تيسير العلي القدير» (٢/ ٤٦١ - ٤٦٢). (٤) سبق تخريجه.