دير القائم الأقصى (١): وهو على شاطئ الفرات، من جانبه الغربيّ في طريق الرّقّة. قال أبو الفرج: وقد رأيته، وهو مرقب من المراقب التي كانت بين الروم والفرس، على أطراف الحدود.
وقال إسحاق الموصليّ (٢): لما خرجنا مع الرشيد إلى الرقة، مررنا بالقائم وعنده الدير. فاستحسن الرشيد الموضع. وكان الوقت ربيعا، وكانت تلك المروج مملوءة بالشقائق والزهر. فشرب على ذلك ثلاثة أيام. ودخلت الدير أطوف فيه، فرأيت ديرانيّة، حين نهد ثدياها، عليها المسوح، ما رأيت أحسن من وجهها وجسمها. وكأنّ تلك المسوح عليها حليّ. فدعوت بنبيذ وشربت على وجهها أقداحا. وقلت (٣): [مجزوء الوافر]
بدير القائم الأقصى … غزال شادن أحوى!
برى حبّي له جسمي … ولا يدري بما ألقى!
وأكتم حبّه جهدي … ولا والله ما يخفى!
ثم دعوت بالعود، فغنيت في الدير صوتا مليحا ظريفا. وما زلت أكرره وأشرب وأنظر إليها، وهي تضحك من فعلي حتّى سكرت. فلما كان من الغد، دخلت على الرشيد، وأنا ميّت من السكر. فقال لي: أين شربت؟ فأخبرته القصة. فقال: طيّب وحياتي! ودعا بالشراب فشرب. فلما كان العشيّ، قال: قم بنا حتّى أتنكّر وأدخل إلى صاحبتك هذه وأراها. فقمت معه وتلثّم ودخل الدير
(١) أبو الفرج الأصبهاني: الديارات ١٢٨ - ١٣٢، والأغاني ٥/ ٣٤٣ - ٣٤٤، معجم ما استعجم ٥/ ٥٩١ - ٥٩٢، معجم البلدان، مادة (دير القائم الأقصى). (٢) الخبر في الأغاني ٥/ ٤١٨، ومعجم ما استعجم ٢/ ٥٩١ - ٥٩٢. (٣) الأبيات في ديوان إسحاق الموصلي، تحقيق ماجد العربي (بغداد ١٩٧٠ م) ص ٨٧، والأغاني ٥/ ٣٤٣ - ٤١٨، ٣٤٤، ومعجم البلدان (دير القائم الأقصى).