قال الخالدي: وعلى بابه شجرة لا يعرف أحد ما هي، لا يسقط ورقها عند سقوط ورق الشجر، ولها ثمرة تشبه اللوز. وفي جبله من الزرازير شيء عظيم، لا تفارقه صيفا ولا شتاء، لا يقدر على شيء منها، وفي شعاب جبله أفاع كثيرة، تمنع من صيد طيره ليلا.
قال: وفي أوديته حصى على شكل اللوز لا تغادره.
قلت: ولعلّ هذه الشجرة هي التي ذكرها ابن وحشية، وقال إنها في الدنيا واحدة لا ثاني لها.
وحكى الخالدي، قال: حدثنا الخبّاز البلدي، قال: تقلّد بلدنا رجل من آل الفرات، وكان أديبا شاعرا. فاستخصّني، فما كنت أفارقه. فرأى يوما هذا الدير وسألني عنه. فوصفته له. فأحبّ النظر إليه. فخرج وحملني معه. وكان ذلك في شتاء متصل المطر. فلما جئناه، رأينا في جبله من الغدران ما ملأ أفاويقه (١).
فلما صعدنا سطح الهيكل، فكر ساعة ثم أنشدني لنفسه:[البسيط]
وهيكل تبرز الدنيا لمشرفه … حتّى يعاين منها السهل والجبلا
كأن صبّين باتا طول ليلهما … يستمطران على غدرانه المقلا
دير صباعى (٢): وهو على شاطئ دجلة الشرقي، فوق تكريت بقليل. وهو كثير الرهبان. وله مزارع وجنينات. ولرهبانه يسار وغنى. وفيه يقول بعض
(١) الأفاويق: ما اجتمع في السحاب من ماء المطر فهو يمطر ساعة بعد ساعة. الصحاح والتاج (فوق). (٢) انظر: الديارات للشابشتي ١٧٥، ومعجم البلدان: (دير صباعى) وضبطه الشابشتي (صبّاعي) بفتح الصاد وتشديد الباء، وآخره ياء، وذكر كوركيس عواد في ذيل الديارات رقم (١٢) ص ٣٧٢ - ٣٧٣، أن الدير نسبة إلى القديس شمعون برصباعي (ت ٣٤١ هـ)، وبر صباعي لفظ سرياني بمعنى ابن الصباغين؛ لأن أهله كانوا يصبغون ثياب الملك.