للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فتقدّم ابن المدبر إلى غلمانه بإعداد ما يحتاج إليه. وخرج وخرجت حتى وافيناه. فإذا هو حسن البناء، والرياض محدقة به، ونهر الحيرة الذي يقال له الغدير بقرب منه. فضربت لنا خيم عنده. وخرج إلينا رهبانه، وحملوا إلينا مما عندهم من التّحف واللّطف. فأكلنا وجلسنا نشرب. وغنيته بشعر أبي نواس المتقدّم. فبينا نحن كذلك، إذا اجتاز بنا غلام حسن، عارضه كأنه بدر على غصن، معه مصحف من مصاحف النصارى، كامل العقل، ساحر اللحظ واللفظ. فشرب ابن المدبر على وجهه رطلا، وسقاه قدحا. واستأذنه الغلام في النهوض، وقال: معي مصحف لا تتمّ للرهبان صلاة إلا بحضوره. وهذا وقت صلاتهم، وقد ضربوا الناقوس منذ ساعة. وأخذ عليه العهد في الرجوع إليه وأمر له بمائة دينار. وعملت شعرا صنعت فيه صوتا. فما زال صوته طول مقامه.

وهو (١): [السريع]

فديت من مرّ بنا مسرعا … يسعى إلى الدير بأسفاره!

خدمت ربّ الدير من أجله … حتّى كأنّي بعض أحباره

حذّرني النار ولم يدر ما … في القلب والأحشاء من ناره

[٢٣٥] حيّرني تفتير أجفانه … وحلّ عقدي عقد زنّاره

وأقمنا بمكاننا ثلاثة أيام، ثم عدنا إلى الكوفة وقد عملت في تلك الأيام وغنّيت فيه (٢) [الهزج]

وبالحيرة لي يوم … ويوم بالأكيراح!

إذا عزّ بنا الماء … مزجنا الراح بالراح!


(١) الأبيات في ديوان جحظة البرمكي ١٠١.
(٢) ديوان جحظة ٦٤ (عن مسالك الأبصار).

<<  <  ج: ص:  >  >>