للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وحكى الربيع عن بعض أهل الحيرة قال: كان في دير حنّة خمار يقال له مر عبدا، موصوف بجودة الخمر ونظافة الآنية وملاحة الحانة. فحكى مر عبدا قال:

ما شعرت يوما وقد فتحت حانوتي وجلست إلى جانب الهيكل، إلا بثلاثة فوارس قد أقبلوا من طريق السّماوة في البرّ، حتّى وقفوا علي، وهم متلثمون بعمائم الخزّ وعليهم حلل القصب. فسلّموا عليّ وأسفر أحدهم وقال: أنت مر عبدا، وهذا دير حنّة؟ قلت: نعم. قال: قد وصفت لنا بجودة الشراب والنظافة، فاسقني رطلا. فبادرت فغسلت يدي ثم نقرت الدّنان ونظرت أصفاها فبزلته.

فشرب، ومسح يده وفمه بالمنديل. ثم قال: اسقني آخر: فغسلت يدي وتركت ذلك الدّنّ وذلك القدح والمنديل ونقرت دنّا آخر. فلما رضيت صفاءه، بزلت منه رطلا في قدح، وأخذت منديلا جديدا. فناولته إياه فشرب كالأوّل. ثم قال:

اسقني رطلا آخر. فسقيته في غير ذلك القدح وغير ذلك المنديل. فشرب ومسح فمه ويده. وقال لي: بارك الله فيك! فما أطيب شرابك وأنظفك وأحسن أدبك! وما كان دأبي أن أشرب أكثر من ثلاثة أرطال. فلما رأيت نظافتك دعتني نفسي إلى شرب رابع، فهاته! فناولته إياه على تلك السبيل. فشرب وقال: لولا أسباب تمنع من بيتك لكان حبيبا إليّ جلوسي يومي هذا فيه. وولّى منصرفا في الطريق الذي بدا منه. ورمى إلى أحد الراكبين اللذين كانا معه بكيس. فقلت وحق النصرانية! لا قبلته حتّى أعرف الرجل [٢٣٦]. فقال: هذا الوليد بن يزيد بن عبد الملك! وصفت له، فأقبل من دمشق حتّى شرب من شرابك ورأى ديرك والحيرة. ثم انصرف. فحللت الكيس فإذا هو أربعمائة دينار.

<<  <  ج: ص:  >  >>