للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأنشد فيه قول الآخر، وهو (١): [البسيط]

يا دير باب الفراديس المهيج لي … بلابلا بقلاليه وأشجاره! (٢)

لو عشت تسعين عاما فيك مصطبحا … لما قضى منك قلبي بعض أوطاره!

وحكي أن الوليد بن يزيد كان كثير المقام في هذا الدير. يخرج إليه، ومعه حرمه، استحسانا له؛ وأنه كان يجلس في أيام مقامه فيه في صحنه كلّ يوم ساعة من النهار؛ ثم يأكل ويشرب في مواضع منه: طيبة حسنة.

وحكى الخالدي عن أحد من كان ينادمه، أنه دعا يوما بطعامه، وأمرني بالغداء معه؛ وحضر ندماؤه، وكان فيهم حنين، المغني. فنحن على المائدة، إذ قال له: يا حنين! غنيتني البارحة في آخر المجلس - وقد أخذ الشراب منّي - بشعر صاحبكم، عدي بن زيد (٣)، فلم أستكمل الطرب، لأجل سكري. فأعده علي الساعة. قال: فأخذ حنين رقاقه ووقع عليها وغنّى: (٤) [المديد]

يا لبينى أوقدي النارا! … إنّ من تهوين قد حارا! (٥)

[٢٥٧] ربّ ناربتّ أرمقها … تقضم الهندي والغارا! (٦)

عندها ظبي يؤجّجها … عاقد في الخصر زنارا!

قال: فطرب طربا عظيما، وأخذ رقاقه، وقام وترك الغداء، وجعل ينقر عليها مع حنين. وأخذ كلّ من على المائدة رقاقه، وجعلوا ينقّرون عليها مثله. ومضى


(١) البيتان في الأعلاق الخطيرة (تاريخ دمشق) ٢٧٨، والخزل والدأل ١٠١، ٢/ ٢٢.
(٢) الخزل والدأل: وعماره.
(٣) في الأصل و (ط): عيسى بن زيد، والصواب ما أثبتناه، وهو عدي بن زيد العبادي الشاعر.
(٤) الأبيات في ديوان عدي بن زيد ١٠٠ (وانظر مصادر تخريجه).
(٥) في (ط): قد جارا.
(٦) الهندي: العود الهندي، والغار: نبات طيب الرائحة، ويسمى الرند، وتصنع منه أكاليل الغار.

<<  <  ج: ص:  >  >>