واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، وهذا ليس بذنب، ويقاس على هذا ما أشبهه، وعندي دليل نظري هو حجة قاطعة، وذلك أن الرسول لو جاز عليه ارتكاب الذنوب وقد أمرنا الله باتباعه اتباعًا مطلقًا، فإذا عمل ذنبًا كنا مأمورين باتباعه فيه، ومنهيين عنه، فيقع التناقض، وهو الأمر بالشيء والنهي عنه في وقت واحد، فكأن الله يقول: اتبعوه ولا تتبعوه، فطريق السلامة هو تبرئة الأنبياء من الذنوب صغيرها وكبيرها، والله أعلم. اهـ.
وقال صاحب «الكواشف»: «ويجب احترامهم وأن لا يفرق بينهم، ويجب الاهتداء بهديهم والائتمار بأمرهم، والكف عما نهوا عنه، ويجب الاعتقاد أنهم أكمل الخلق علمًا وعملًا وأصدقهم وأبرهم وأكملهم أخلاقًا، وأن الله خصهم بفضائل لا يلحقهم فيها أحد وبرأهم من كل خلق رذيل، ويجب محبتهم وتعظيمهم، ويحرم الغلو فيهم ورفعهم فوق منزلتهم، ويجوز في حقهم شرعًا وعقلًا النوم والنكاح والأكل والشرب والجلوس والمشي والضحك وسائر الأعراض البشرية التي لا تؤدي (١) إلى نقص في مراتبهم العلية، فهم بشر يعتريهم ما يعتري سائر أفراده فيما لا علاقة له بتبليغ الأحكام، وتمتد إليهم أيدي الظلمة وينالهم الأذى (٢)، وقد يقتل الأنبياء كما أخبر الله بذلك في كتابه بقوله سبحانه: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١١٢] ومن الأدلة على ما ذكرنا أولًا من أنه يجوز في حقهم أشياء قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وقال عز من قائل: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] وقال ﷺ: «لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء»(٣). وكان ﷺ يمرض ويتألم ويشتكي، وكان يصيبه الحر والبرد، والجوع والعطش، والغضب والضجر والتعب ونحو ذلك مما لا نقص عليه فيه.
وأما الأدلة على صدق الرسل فكثيرة (٤)، أعظمها شهادة الله لهم بأنهم
(١) في مطبوع «الكواشف الجلية»: «يؤدي». (٢) في مطبوع «الكواشف الجلية»: «الاضطهاد». (٣) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح (٥٠٦٣)، ومسلم كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه (١٤٠١) من حديث أنس. (٤) في مطبوع «الكواشف الجلية»: «فكثير».