يصح سنده؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس، ويزيد وإن كان من الصالحين لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة، فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة وأن يرد علمهَا إلى الله ﷿، فإن القرآن حق وما تضمنه (١) حق أيضًا» (٢).
قال محمد تقي الدين وأنا أرجح مذهب القائلين بالتأويل وأعتقد عصمة الأنبياء كلهم من الذنوب الصغائر والكبائر، وتسمية بعض أعمالهم ذنوبًا هي من باب (حسنات الأبرار سيئات المقربين) والأدلة على ذلك كثيرة نذكر قليلًا منها، فمن ذلك: حكم النبي ﷺ لبني أبيرق بالبراءة (٣) اجتهادًا منه لما لم يقم دليل على أنهم سرقوا فعاتبه الله على ذلك وأمره بالاستغفار. انظر بسط هذه القصة في (القسم الثاني) من «سبيل الرشاد» في (الباب الرابع) من (سورة النساء).
وكذلك قصة أسارى بدر، وقد ذكرها الله تعالى في آخر سورة الأنفال في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] فقد عاتب الله نبيه ﷺ على أخذ الفدية من أسارى بدر وقال له: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] مع أن النبي ﷺ استشار أصحابه كما أمره الله تعالى بقوله في سورة آل عمران ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وذلك فيما لم يأمره فيه بشيء، فأشار أكثرهم بأخذ الفدية من الأسارى وإطلاق سراحهم وهذا ليس فيه أي ذنب، وكذلك قوله تعالى في سورة التوبة الآية ٤٣: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ فقد أمره الله تعالى بالعفو في غير ما آية، قال تعالى في سورة البقرة الآية ١٠٩: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقال تعالى في سورة المائدة الآية ١٣: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وآية التوبة نزلت في المنافقين، لما عزم النبي ﷺ على الخروج لغزوة تبوك دعا الناس كلهم لذلك، فاعتذر له المنافقون بأعذار كاذبة، فقبل ظواهرهم
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «تضمن فهو». (٢) انظر: «تفسير ابن كثير» (١٢/ ٨١ - ٨٢). (٣) مضى تخريجه.