أنه لم يفصح بمعاد الأبدان إلا محمد ﷺ، وجعلوا هذه حجة لهم في أنه من باب التخييل والخطاب الجمهوري.
والقرآن بين معاد النفس بعد الموت، ومعاد البدن عند القيامة الكبرى في غير موضع، وهؤلاء ينكرون القيامة الكبرى، وينكرون معاد الأبدان، ويقول من يقول منهم: إنه لم يخبر به إلا محمد ﷺ على طريق التخييل، وهذا كذب فإن القيامة الكبرى هي معروفة عند الأنبياء من آدم إلى نوح، إلى إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم ﷺ، وقد أخبر الله بها من حين أهبط آدم، فقال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٤، ٢٥] ولما قال إبليس اللعين: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [ص: ٧٩ - ٨١] وأما نوح ﷺ فقال: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُم مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح: ١٧، ١٨] وقال إبراهيم ﷺ: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]، إلى آخر القصة، وقال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١](١)، وأما موسى ﷺ فقال الله تعالى لما ناجاه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)﴾ [طه: ١٥، ١٦] بل مؤمن آل فرعون كان يعلم المعاد، وإنما آمن بموسى، قال تعالى حكاية عنه: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾ [غافر: ٣٢، ٣٣] إلى قوله تعالى: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩] إلى قوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦](٢). اهـ.
[فصل]
قال محمد تقي الدين: احتجاج شارح «الطحاوية» على الفلاسفة الذين لا يصدقون الرسول ﷺ بآيات القرآن على أن الرسل السابقين جاؤوا بعقيدة البعث
(١) في مطبوع «شرح الطحاوية زيادة: وقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ الآية [البقرة: ٢٦٠]»، وهي ساقطة من مطبوع كتابنا «سبيل الرشاد». (٢) انظر: «شرح الطحاوية» (٤٥٦ - ٤٥٨).