للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

القيم عن ذلك بما نصه: «وأما احتجاجكم بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ فإنما أوتيتم من عدم فهمكم معنى الآية، واحتجاجكم على عدم وجود الجنة والنار الآن نظير احتجاج إخوانكم بها على فنائهما وخرابهما وموت أهلهما، فلا أنتم وفقتم لفهم معناها ولا إخوانكم، وإنما وفق لفهم معناها السلف وأئمة الإسلام، ونحن نذكر بعض كلامهم في الآية: قال البخاري في «صحيحه»: «يقال: كل شيء هالك إلا وجهه إلا ملكه، ويقال: إلا ما أُريد به وجهه» (١)، وقال الإمام أحمد (٢) في رواية ابنه عبد الله: فأما السماء والأرض فقد زالتا؛ لأن أهلهما صاروا إلى الجنة أو إلى النار، وأما العرش فلا يبيد ولا يذهب؛ لأنه سقف الجنة والله عليه فلا يهلك ولا يبيد، وأما قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] فذلك أن الله أنزل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] فقالت الملائكة: هلك أهل الأرض وطمعوا في البقاء، فأخبر الله تعالى (٣) عن أهل السموات وأهل الأرض أنهم يموتون، فقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ (٤) هَالِكٌ﴾ يعني: ميت ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾ لأنه حي لا يموت، فأيقنت الملائكة عند ذلك بالموت» (٥).

ثم قال عن الإمام أحمد - وهو قول أهل السنة جميعًا -: «وقد خُلقت الجنة وما فيها، وخلقت النار وما فيها، خلقهما الله ﷿ وَخلق الخلق لهما ولا تفنيان (٦) ولا يفنى ما فيهما أبدًا. فإن احتج مبتدع أو زنديق بقول الله ﷿: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وبنحو هذا من متشابه القرآن، قيل له: كل


(١) في صحيح البخاري كتاب التفسير، باب سورة القصص قيل رقم (٤٧٧٢) وفيه: «وجه الله».
(٢) المذكور بحروفه في كتابه «الرد على الزنادقة والجهمية» (ص ٣٢٧ - ٣٢٨، ط. غراس).
(٣) في مطبوع «الرد على الزنادقة والجهمية»: «فأنزل الله مخبرًا».
(٤) بعدها في مطبوع «الرد على الزنادقة والجهمية: يعني من الحيوان.
(٥) انتهى كلام الإمام أحمد، وما سبق من كلام ابن القيم في كتاب «حادي الأرواح» (٧٨ - ٧٩)، وللإمام أحمد في رسالة الإصطخري كلام بنحوه، أورده ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ٢٨، ط. القديمة و ١/ ٦٠، ط. العثيمين) وبنحوه في «السنة» (ص ٤٧ - ضمن شذرات البلاتين)، وانظر: «المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة» (٢/ ٢٢٥).
(٦) في مطبوع حادي الأرواح»: «ولا يفنيان».

<<  <  ج: ص:  >  >>