الحق ويلقمهم الحجر (١) ببيان إسناد الكل إليه تعالى على الإجمال. إذ لا يجترئون على معارضة أمر الله ﷿ حيث قيل: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: كل واحدة من النعمة والبلية من جهة الله تعالى، خلقًا وإيجادًا، من غير أن يكون لي مدخل في وقوع شيء منهما (٢) بوجه من الوجوه كما تزعمون، بل وقوع الأولى منه تعالى بالذات تفضلًا. ووقوع الثانية بواسطة ذنوب من ابتلي بها عقوبة، كما سيأتي بيانه، فهذا الجواب المجمل في معنى ما قيل، ردًا على أسلافهم من قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١] أي: إنما سبب خيرهم وشرهم، أو سبب إصابة السيئة التي هي ذنوبهم، عند الله تعالى لا عند غيره حتى يسندوها إليه ويطيروا به (٣)، ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ يعني: المنافقين ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أي: قولًا، والجملة اعتراضية مسوقة لتعييرهم بالجهل وتقبيح حالهم، والتعجب من كمال غباوتهم، إذ لو فقهوا شيئًا لعلموا مما يوعظون به، أن الله هو القابض الباسط، وأن النعمة منه تعالى بطريق التفضل والإحسان والمبلية بطريق العقوبة على ذنوب العباد.
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ أي: نعمة ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ أي: فمن نعمته وتفضله ابتداء ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ أي: بلية ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي: من شؤمها بسبب اقترافها المعاصي الموجبة لها، وإن كانت من حيث الإيجاد منتسبة إليه تعالى، نازلة من عنده عقوبة كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] روى ابن عساكر عن البراء (٤) عن النبي ﷺ قال: «ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود، إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر»(٥).
(١) كذا في «تفسير أبي السعود»، و «تفسير القاسمي»، وفي الأصل: «الحجة»! (٢) في الأصل: «منها»، والتصويب من «تفسير أبي السعود». (٣) هنا انتهى نقل القاسمي من «تفسير أبي السعود». (٤) في مطبوع «تفسير القاسمي»: «﵁». (٥) أخرجه ابن عساكر (٢٤/ ١٩٠) من طريق محمد بن الفضل عن الصلت بن بهرام عن شقيق عن (وفي الأصل: بن!!) فليصحح البراء، وهذا إسناد واه بمرة، آفته محمد بن الفضل وهو ابن عطية، وهو كذاب.