قال شارح «الطحاوية»﵀: «الذي دل عليه القرآن من تنزيه الله نفسه عن ظلم العباد، يقتضي قولًا وسطًا بين قول (١) القدرية والجبرية، فليس ما كان من بني آدم ظلمًا وقبيحًا يكون منه ظلمًا وقبيحًا، كما تقول القدرية والمعتزلة ونحوهم، فإن ذلك تمثيل الله بخلقه وقياس له عليهم، وهو (٢) الرب الغني القادر، وهم العباد الفقراء المقهورون؟ وليس الظلم عبارة عن الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة، كما يقوله من يقوله من المتكلمين وغيرهم، يقولون: إنه يمتنع أن يكون في الممكن المقدور ظلم، بل كان ما كان ممكنًا فهو منه - لو فعله - عدل، إذ الظلم [لا يكون](٣) إلا من مأمور من غيره منهي، والله ليس كذلك - فإن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]. وقوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ الآية [٢٩] من سورة «ق»، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ الآية [٧٦] من سورة الزخرف؟ يدل على نقيض هذا القول.
وأيضًا فإن قوله تعالى: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ الآية [١١٢] من سورة طه. قد فسره السلف، بأن الظلم: أن توضع عليه سيئات غيره، والهضم: أن ينقص من حسناته، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الآية [١٥] من سورة الإسراء.
وأيضًا: فإن الإنسان لا يخاف الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة حتى يأمن من ذلك، وإنما يأمن مما يمكن، فلما آمنه من الظلم بقوله: ﴿فَلَا يَخَافُ﴾ علم أنه ممكن مقدور عليه. وكذا قوله: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ الآية [٢٨] سورة ق، إلى قوله: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ لم يعن بها نفي ما لا يقدر عليه ولا يمكن منه، وإنما نفى ما هو مقدور عليه ممكن، وهو أن يجزوا بغير أعمالهم. فعلى قول هؤلاء ليس الله منزّهًا عن شيء من الأفعال أصلًا، ولا مقدسًا عن أن يفعله، بل كل ممكن فإنه لا ينزه عن فعله، بل فعله حسن، ولا حقيقة للفعل السوء، بل ذلك ممتنع والممتنع لا حقيقة له، والقرآن يدل على نقيض هذا القول، في مواضع نزه الله نفسه فيها عن فعل ما لا يصلح له ولا ينبغي له، فعلم أنه منزّه.
(١) في مطبوع «شرح الطحاوية»: «قولي». (٢) في مطبوع «شرح الطحاوية» من غير: «و». (٣) من مطبوع «شرح الطحاوية»، وسقط من الأصل.