أرسالا، بجود ينبّه رياح المطالب الكسالى، ويدع سحّاح البروق كأجنحة البزاة رمت نسالا (١)، هذا مع مروءة غزيرة، وسيرة عزيزة، وسريرة ما أنزع شبهها السحاب غديره، وفواضل غطت على الرفاق، وفضائل بالقصد وكأنها بالاتفاق، وعلمان علم أديان يزكو بالإنفاق، وعلم أبدان لو عالج الزمان أفاق، وخطّ ما حملت مثل شعاره بالمنابر، ولا أمدت الأحداق نظير سواده في المحابر.
ولد في ثاني المحرم، سنة إحدى وثلاثين وستمائة، بأقسرا (٢)، وكتب الخطّ الحسن الفائق على الولي التبريزي.
وكان مجموع الفضائل، يعرف بالفقه، والنحو، والشعر، والأدب، والإنشاء، والطب.
ولي قضاء ملطية أكثر من عشرين سنة، ثم توجّه إلى الشام سنة خمس وسبعين وستمائة، خوفا من التتار، وأقام بدمشق، ودرّس في عدة من مدارسها الكبار، ثم باشر قضاء الحنفية بها في رمضان سنة سبع وسبعين وستمائة (٣)؛ فحمدت سيرته، وكثر إحسانه ومروءته، وجرت أحكامه على السداد، وامتدت أيامه إلى أن تسلطن المنصور لاجين، فسار إليه إلى الديار المصرية، سنة ست وتسعين، فأقبل عليه إقبالا وافرا، وأكرم مورده، وعظّمه، وأحبّ مقامه عنده لمودّة كانت بينهما، فولاه القضاء بالديار المصرية، عوضا عن السروجي، وولي ولده جلال الدين قضاء دمشق حتى قتل المنصور لاجين، وزالت دولته، ثم عاد إلى دمشق سنة ثمان وتسعين وستمائة فخرج الناس للقائه، فورد دمشق على ما كان
(١) النسال: ما يسقط من الريش ونحوه. (٢) وفي تاريخ الذهبي "اقصرا" بالصاد، وهي إحدى مدن الروم. انظر: تاريخ الإسلام ٥٠/ ٣٩٨. وفي الدارس عن الصفدي في الوافي: "آق سراي". ثم نقل صاحب الدارس عن ابن كثير أنه ولد في "آفس"، وفي مطبوع البداية "آفس". (٣) تاريخ الإسلام للذهبي ٥٠/ ٣٩٨. وأعيان العصر ٢/ ١٨٧.