بسحب الوفود المنهمرة دورها، إذ ساقت إليها سيوف هولاكو من أبقت، وضمّت إليها من وقت، وأكنّت في حجرها أولئك الشّذّاذ، ومنّت على الطّرداء من وراء بغداد، فلاذوا منها بركن الحطيم، وعادوا من أمّها الرؤوف بحنو الوالدات على الفطيم، ووصلوا إليها أشلاء حتوف، مزّقتهم القواضب (١)، وفرقتهم النوائب، وأرّقتهم المخاوف، فجاؤوا إليها يقطعون السباسب (٢).
مولده في رجب، سنة ثلاث وعشرين وستمائة.
قرأ القرآن بالروايات على علم الدين السخاوي، وقيل: برواية أبي عمرو، وتفقّه على الحصري وغيره، وقرأ النحو على ابن مالك. وروى الحديث عن الحسن بن الزبيدي، وشيخه السخاوي، وابن الصلاح، وابن خليل.
وانفرد بالرواية عن الحسن بن الزبيدي بالديار المصرية. وسمع منه جماعة من الأعيان، ودرّس بدمشق، وعرض عليه قضاؤها فامتنع (٣).
وكان شيخا جليلا، علّامة من أعيان الفضلاء وأصحاب الفتوى، لديه علوم شتى، وعنده زهادة وانقطاع عن الناس.
ثم توجّه إلى الديار المصرية في جفل (٤) التتار، هو وولده، وأقاما بها، فلازم الشيخ بيته جوار الجامع الأزهر، وكان أبو الفتح ابن دقيق العيد يعظّمه، ويثني على علمه وديانته وفضله (٥). وتوفي بالقاهرة سحر يوم الأربعاء، خامس رجب سنة أربع عشرة وسبعمائة، وصلّى عليه بدمشق صلاة الغائب (٦).