للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والقضاة والأعيان، ولبس الخلعة من القصر الظاهري، فشكرت فصاحته، وتوفّرت الأدعية لمنشئ الجامع.

وكان فيه ديانة، وخير، حسن الشّكل، تامّ المروءة، دمث الأخلاق، طيّب المعاشرة، كثير التودّد والإحسان إلى أصحابه ومعارفه، عنده قوّة نفس في الأحكام وإمضائها، ويقول على طريقة الفقهاء، ونظم عدّة مسائل في الفقه، ذكر فيها ضوابط وقيودا. وكان إذا صعد المنبر ليخطب تغيّر لونه، وطار لبّه، واحمرّت وجنتاه، وخنقته العبرة.

وعزّر مرة رجلا معتبرا من ذوي السيوف لسفه بدا منه في حق ابن قاضي القضاة، صدر الدين، وأبوه إذ ذاك خاله ومستنيبه، فكلبه كافل الممالك " تنكز"، وأنكر عليه ما فعل بغير إذنه، وقال: كيف تعزّر أنت مثل هذا لأجل قرابتك، وابن الذي استنابك؟.

فقال: يا أمير … الناس عندي سواء في الحق، إن كان قرابتي أو غير قرابتي، والذي استنابني أو غيره، وإذا وجب على واحد منهم أو له فعلته.

فقال كالمستهزئ به: فغدا بعده إذا وجب عندك علينا شئ افعله!.

فقال: نعم، والله لو وجب عليك شئ بحكم الشرع فعلته. وها قد عزلت نفسي!. وامتنع من الحكم حتى استرضي، وأعيد على كره منه.

فلما آن وقت الحج عزل نفسه، وحجّ، ومات - رحمه الله تعالى - عقيب قدومه متبرّئا من الأحكام، وذلك بكرة يوم الخميس آخر أيام من المحرم سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، بمسجد ابن يغمور، ظاهر دمشق. ودفن عند أقاربه بالقرب من المدرسة المعظّمية (١)، بسفح قاسيون.


(١) من مدارس الحنفية بدمشق، بالصالحية، بسفح قاسيون الغربي، جوار المدرسة العزيزية، أنشئت سنة إحدى وعشرين وستمائة، بناها الملك المعظّم عيسى بن العادل. (الدارس ٥٧٩: ١).

<<  <  ج: ص:  >  >>