بالقاهرة، ودرّس بدمشق بالمدرسة الشبلية (١)، وبالمدرسة الفرخشاهية (٢)، ظاهر دمشق، وأعاد في كبار المدارس، وتصدّر للإفادة بالجامع الأموي، ورجع إليه في مهمات الفتاوى والوقائع، ولم يكن في وقته أفقه منه في مذهبه، ولا أتمّ بحثا، ولا أدقّ نظرا، ولا أعذب لسانا، عارف بغوامض المذهب ومشكلاته، حديد النظر، شديد الفكر في الفقه، وله تصرف في جملة من علوم الشريعة، ويحب الفضلاء من أرباب المذاهب وطلبة الحديث.
وبرز المرسوم السلطاني الملكي الناصري في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة بطلبه من دمشق إلى الديار المصرية، قاضيا بعد ابن الحريري، فقابله بالامتثال، وتوجه إليها على خيل البريد، وفوّض إليه قضاء القضاة، وتدريس المدارس الكبار، وخلع عليه، وأكرم مورده، ورسم له ببغلة سلطانية، وركب الأعيان، والحجّاب وبعض أرباب الدولة في خدمته، وقرئ تقليده، وحكم. وألقى الدروس البديعة، وأقام هناك نحوا من عشر سنين، ثم صرف عن القضاء، وعاد إلى دمشق سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، وأقام بها مدة ليس له راتب ولا معلوم، وهو قانع صابر، ثم ولي تدريس المدرسة العذراوية بدمشق، ولم تزل الفضلاء يترددون إليه ويستفيدون منه ويرجعون إلى رأيه، وله المصنفات المفيدة، وله مسائل مفردة عديدة.
توفي ليلة الأربعاء سابع عشر ذي الحجة، سنة أربع وأربعين وسبعمائة (٣).
(١) المدرسة الشبلية من مدارس دمشق على سفح جبل قاسيون (الدارس ٥٣: ١). (٢) المدرسة الفرخشاهية: نسبة إلى مؤسستها حظ الخير خاتون ابنة إبراهيم بن عبد الله والدة عز الدين فرخشاه سنة ٥٧٨ هـ من مدارس دمشق (الدارس ٥٦: ١). (٣) أعيان العصر وأعوان النصر للصفدي ١/ ٩٩ - ١٠٠.