للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وحكى الشابشتي (١) أن الفضل ذكر أنه خرج مع المعتز للصيد. قال:

فانقطعنا عن الموكب، أنا وهو ويونس بن بغا. فشكا المعتز العطش، فقلت له:

يا أمير المؤمنين، إن في هذا الدير راهبا أعرفه، وله مروءة حسنة (٢). وفيه آلات جميلة. فهل لنا أن نعدل إليه؟ فقال: افعل! فصرنا إليه، فرحب بنا وتلقانا بأجمل ملقى. وجاءنا بماء فشربنا. وعرض علينا النزول عنده، وقال: أما تبتردون عندنا؟ فقال المعتز: انزل بنا إليه. فنزلنا عنده. فسألني الديراني عن المعتزّ ويونس. قلت: فتيان من أبناء الجند. فقال: بل مفلتان من أزواج الحور.

فقلت له: ليس هذا من دينك واعتقادك. فقال: هو الآن في ديني. فضحك المعتز. ثم جاءنا من الطعام بما يكون مثله في الديارات. وكان من أنظف طعام في أنظف آنية. فأكلنا منه وغسلنا أيدينا. فقال لي المعتزّ: قل له بينك وبينه من تحبّ أن يكون معك من هذين ولا يفارقك. فقلت له، فقال: "كلاهما [وتمرا] " (٣) فضحك المعتزّ حتّى مال من الضحك. ولحقنا الموكب، فارتاع [الديراني]، فقال له المعتز: بحياتي عليك لا تنقطع عما كنا فيه، فإنني لمن ثمّ مولى ولمن ههنا صديق! فمزحنا ساعة. ثم أمر له المعتزّ بخمسين ألف درهم.

فقال: لا والله، لا قبلتها إلا على شرط! قال: ما هو؟ قال: يكون أمير المؤمنين في دعوتي مع من أراد. قال: ذلك إليك. فاتعدنا ليوم جئناه. فلم يبق غاية، وقام بالموكب كله. وجاء بأولاد النصارى فخدمونا (٤) أحسن خدمة. وسرّ سرورا ما


(١) الحكاية في الديارات ١٦٤ - ١٦٥، والأغاني ٨/ ١٧٩، والبدور المسفرة ٢٠ - ٢١، بغية الطلب في تاريخ حلب ٨/ ٣٧٧١.
(٢) الديارات: وله مودة حسنة.
(٣) كلاهما وتمرا: مثل عربي قديم، أول من قاله عمرو بن حمدان الجعدي، مجمع الأمثال للميداني ٢/ ٦٥، جمهرة الأمثال للعسكري ٢/ ١٤٧، المستقصى للزمخشري ٢/ ٢٣١، الفاخر للمفضل بن سلمة ١٤٩، وكلمة: (وتمرا) زيادة عن الديارات والأغاني.
(٤) الأصل و (ط): فخدموا.

<<  <  ج: ص:  >  >>