وكدت أنال في الشرف الثّريا … ولكن لا سبيل إلى الخلود
دير الحريق (١): هو بالحيرة. بناه النعمان بن المنذر على ولد كان له، عدي عليه وأحرق فيه. وإلى جانبه قبة تعرف بقبة الشّتيق (٢)، و [قبة] تعرف بقبة غصين. وهما راهبان نسبا إليهما. وهما بديعتا البناء.
وفي الدير وفيهما يقول الثروانيّ:[الكامل]
دير الحريق وقبّة الشّتيق (٢) … مغنى لحلف مدامة وفسوق!
وطن لفرقته شرقت بدمعتي … ولرحلتي عنه غصصت بريقي!
حكى حمزة بن أبي سلامة، قال: كان الثرواني جاري بالكوفة وكان كثير الإلمام [٢٣٠] بالدّيرة، فباكرني في يوم شعانين وقال لي: اعزم بنا اليوم على الشرب في دير الحريق، لأنه يوم سيقصده فيه خلق. ولي به صديق من رهبانه ظريف، مليح القلاية، جيّد الشراب. فهلمّ! ننزه أعيننا فيما نراه من الجواري والغلمان، ثم نعدل إلى قلاية صديقنا فنشرب على سطحها المشرف على الرياض. فخرجنا فرأينا من النساء والوصائف والولدان في الحلي والحلل ما لم أر مثله قط. فلم يزل يعبث ويتعرّض، ويقبّل ويعانق - وكان معروفا بذلك - فما أحد ينكر عليه فعله، إلى بعد الظهر. ثم أتينا قلاية صديقه الراهب، فلقيه بالإكرام والترحيب. فدخلنا قلايته. فما رأينا أنظف من آلاتها، ولا أنضر من بستانها. ثم قدّم لنا شيئا من طعامه، فأصبنا منه. ثم صعدنا سطحها، وجلسنا ننظر إلى منظر يبهر حسنا وجمالا: من رياض وغدران وطير يصفر. ونحن
(١) انظر: معجم البلدان: (دير الحريق) (٢) في الأصل: الشنيق (بالشين المعجمة وبعدها نون وياء)، والتصحيح من الديارات للشابشتي، وسيأتي ذكرها (والتعليق عليها) ص ٤١١.