فركب، والناس معه، حتّى أتى الدير، فقيل لها: هذا الأمير الحجاج بالباب:
فاطلعت من ناحية الدير. فقال لها: يا هند! ما أعجب ما رأيت؟ قالت: خروج مثلي إلى مثلك. لا تغترّن يا حجاج بالدينا، فإنا أصبحنا ونحن كما قال النابغة لأبي (١): [الطويل]
رأيتك من تعقد له حبل ذمة … من الناس، يأمن سرجه حيثما ارتقى! (٢)
ولم نمس إلا ونحن أذلّ الناس وقلّ إناء امتلأ إلا انكفأ. فانصرف الحجاج مغضبا. وأرسل إليها من يخرجها من الدير، ويستأديها الخراج. فأخرجت، ومعها ثلاث جوار من أهلها. فقالت إحداهنّ:[٢٣٨][الخفيف]
خارجات يسقن من دير هند … معلنات (٣) بذلّة وهوان!
ليت شعري! أوّل الحشر هذا … أم محا الدّهر غيرة الفتّيان؟
فشدّ فتى من أهل الكوفة على فرسه. فاستنقذهنّ من رسل الحجاج.
وتغيّب. فبلغ الحجاج شعرها وفعل الفتى. فقال: إن أتانا، فهو آمن؛ وإن ظفرنا به، قتلناه! فأتاه. فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: الغيرة. فوصله وخلاه.
وكان سعد بن أبي وقّاص حين فتح العراق (٤)، أتى هندا، إلى ديرها.
فخرجت إليه وعرض عليها نفسه في حوائجها. فقالت: سأحييك بتحية كانت
(١) لم أجد البيت في دوواين النوابغ الثلاثة (الذبياني والجعدى والشيباني) وهو في الديارات للشابشتي ٢٤٤، والبدور المسفرة ٢١. (٢) في الديارات والبدور المسفرة: من الناس يأمن سرحه حيث أربعا. (٣) في الديارات والبدور المسفرة: مذعنات. (٤) خبر لقاء هند لسعد بن أبي وقاص - بالإضافة إلى ديارات الشابشتي - في مروج الذهب ٢/ ٢٨٨ - ٢٢٩، والبدور المسفرة ٢٢.