أين أنتم، يافتيان؟ قلنا: من أهل العراق. قال: بأبي! ما الذي أقدمكم هذا البلد الغليظ هواؤه، الثقيل ماؤه، الجفاة أهله. قلنا: طلب الحديث والأدب. فقال:
حبّذا! أتنشدوني أم أنشدكم؟ قلنا: بل أنشدنا: فقال: [الكامل المرفل]
الله يعلم أنّنى كمد … لا أستطيع أبثّ ما أجد!
روحان لي: روح تقسّمها … بلد وأخرى حازها بلد!
وأرى المقيمة ليس ينفعها … صبر وليس يصونها جلد!
وأظنّ غائبتي كشاهدتي … بمكانها تجد الذي أجد!
ثم أغمي عليه. فأفاق فصاح بنا فقال: أتنشدوني أم أنشدكم؟ قلنا: بل أنشدنا. فقال: [البسيط]
لما أناخوا قبيل الصبح عيرهم … ورحّلوا (١) فتنادت بالهوى الإبل
وأبرزت من خلال السّجف ناظرها … يرنو إليّ ودمع العين منهمل
فودّعت ببنان حمله عنم (٢) … فقلت: لا حملت رجلاك! يا جمل
ويلي من البين ماذا حلّ بي وبها … من بارح الوجد! حلّ البين فارتحلوا!
إنّي على العهد لم أنقض مودّتهم! … فليت شعري، لطول العهد ما فعلوا!
[٢٦٠] فقال له فتى من المجّان الذين كانوا معي: ماتوا. قال: فأموت؟ فقال له: مت. فتمطّى وتمدّد. وما برحنا حتّى دفنّاه. وللصنوبري فيه، من شعر يقوله: (٣) [البسيط]
أمرّ بدير مرّان فأحيا … وأجعل بيت لهوي بيت لهيا
(١) كذا في الأصل، وفي العقد الفريد: ورحلوها وسارت بالدمى الإبل، وفي معجم البلدان وآثار البلاد: وثوروها فثارت.
(٢) معجم البلدان: خلته عنم، تاريخ دمشق: حمله غنم (تصحيف بالغين المعجمة)، منازل الأحباب: عقده عنم.
(٣) ديوانه ٤٦٥ (ملحق الديوان)، وتاريخ دمشق ٢/ ٣٩٦ - ٣٩٧، ومعجم البلدان: (دير مران).