للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قلبه نظرها، وشبّها في جوانحه من خدودها المحمّرة نضرها. فألقى عندها عصا سفره، ولقي عندها منتهى ما يؤمّل من ظفره. وترك الحجّ كأنّه ما تعني [إلا] له من أقصى بلاده، ولا نوى [إلا] إليه السفر في رحلته وزاده. وقال فيها (١): [الكامل]

ورأت جفوني (٢) من نويرة كاسمها … نارا تضلّ، وكلّ نار ترشد!

والماء أنت، ولا يصحّ لقابض! … والنار أنت، وفي الحشا تتوقّد!

ولما طال مقامه، وقفت عليه وسألت عن سبب إقامته فقصّ عليها الخبر، ونصّ العبر. وأعلمها (٣) أنه، إنّما أتى ليحجّ، فلما رآها أقام، وتطلّب ما يعالج به السّقام. فقامت غير متباطية، [٢٨٢] ووثبت كالظبية العاطيه. وظنّت أنه لم يصب، وأنه مدّ لها شركه ونصب. فلما رأى ماراب من شفورها (٤)، وإعراض ظبيتها الأدماء وسرعة نفورها، أسال عبرته، ووالى حسرته. ثم قال (٥): [الطويل]

حديثك ما أحلى! فزيدي وحدّثي … عن الرشإ الفرد الجمال المثلّث (٦)!

ولا تسأمي ذكراه، فالذّكر مؤنسي … وإن بعث الأشواق من كل مبعث

أحقّا وقد صرّحت مابي أنه … تبسّم كاللاهي بنا المتعبّث؟

وأقسم بالإنجيل إنّي لكاذب (٧) … وناهيك دمعي من محقّ ومحنث!


(١) البيتان في الذخيرة ٢/ ٧٠٤/ ١، ومسالك الأبصار ١٧/ ٢٨٣ (مخطوطة باريس).
(٢) في المسالك: وارت ضلوعي.
(٣) في الأصل: وأعلمه. (زكي).
(٤) في الأصل «سفورها» بالسين المهملة. ولا معنى لها هنا على الإطلاق. لذلك صححت بالشين المعجمة ليكون المعنى أنه رأى أنها تنظر إليه شزرا. (زكي).
(٥) الأبيات في الذخيرة ٢/ ٧٠٦/ ١، الإحاطة ٢/ ٣٣٥.
(٦) ضبطها في الأصل بفتح اللام، والصواب كسرها لأنه يشير إلى الديرانية التي تقول بالتثليث (زكي)، أقول: وردت الكلمة بفتح اللام في الذخيرة، وفي الإحاطة بكسرها.
(٧) الذخيرة: إني لمائن، والإحاطة: أني شابق.

<<  <  ج: ص:  >  >>