حكى إسحق، قال: كنت مع الرشيد، حين خرج إلى الرّقّة. فدخل يوما يشرب مع النساء. فخرجت ومضيت إليه. فنزلت عند خمارة هناك، لها زوج قسّ. ولها منه بنت. لم أر مثلها قطّ جمالا، ولا مثل بنتها. وأخرجت إلى شرابا لم أر مثل حسنه وطيب ريحه وطعمه [٢٩٠] فأجلستني في بيت مرشوش فيه ريحان غضّ. وأخرجت بنتها تخدمنى كأنها خوط بان، أو جدل عنان: لم أر أحسن منها قدّا ولا أسهل خدّا، ولا أشرق وجها، ولا أبدع طرفا، ولا أحسن كلاما، ولا أتمّ تماما. فأقمت عندها ثلاثا، والرشيد يطلبني، فلا يقدر عليّ. ثم انصرفت. فذهبت بي رسله إليه. فدخلت عليه، وهو غضبان فلما رأيته، خطرت في مشيتي ورقصت (وكانت في رأسي فضلة قويّة من السكر) وغنّيت في شعر قلته في بيت الخمّارة صنعت فيه. وهو:[الخفيف](١)
إنّ قلبي بالتّلّ، تلّ عزّاز … عند ظبي من الظّباء الجوازي
حلفت بالمسيح أن تنجز الوع … د، وليست تهتّم بالإنجاز!
قال: واللحن في هذا الشعر خفيف رمل بالوسطى. قال إسحق: فسكن غضبه. ثم قال لي: ويحك! أين كنت؟ فأخبرته فضحك وقال: عذر، والله! وإنّ مثل هذا لطيّب، إذا اتّفق. أعد غناءك! فأعدته. فأعجب به، وأمرني أن أغنّيه ليلتي كلها، أعيده أبدا، ولا أغني أنا ولا غيري سواه. وأمر المغنّين بأخذه. فما زلت أغنّيه ويشرب عليه إلى الغداة. ثم انصرفنا. فصلّيت ونمت. فما
(١) الأبيات في الأغاني ٤١٩، ٥/ ٣٧٣، المحب والمحبوب ٣٤٥، وبغية الطلب في تاريخ حلب ١/ ٢٦٧، والبيتان الأولان في معجم البلدان: (عزاز). (٢) في الأصل، والمحب والمحبوب: يا لقوم، والمثبت عن الأغاني وبغية الطلب.