وجيهان منذ شهرين في قضية معضلة مشكلة، وكان يدّعي بيّنة وشهودا، ويدلي بحجج تحتاج إلى تأمّل وتثبت، فرددت الخصوم رجاء أن يصطلحوا، أو يعنّ لي وجه فصل بينهما، قال: فوقف أحدهما من خبري على أني أحب الرطب السكر، فعمد في وقتنا وهو أوقات الرطب، إلى أن جمع رطبا سكرا لا يتهيّأ في وقتنا جمع مثله إلا لأمير المؤمنين، وما رأيت أحسن منه، ورشا بوّابي جملة من الدراهم على أن يدخل الطبق إليّ، ولا يبالي أن يرد، فلما دخل إلى أنكرت ذلك، وطردت بوابي، وأمرت بردّ الطبق، فردّ. فلما كان اليوم تقدّم إليّ مع خصمه، فما تساويا في عيني، ولا في قلبي، وهذا - يا أمير المؤمنين - ولم أقبل، فكيف يكون حالي لو قبلت؟. ولا آمن أن تقع عليّ حيلة في ديني فأهلك، وقد فسد الناس، فأقلني أقالك الله، واعفني، فأعفاه (١).
وقال الأصمعي: كنت يوما عند الرشيد، فرفع إليه في قاض كان استقضاه، يقال له عافية بن يزيد الأودي، فأمر بإحضاره، فأحضر، وكان في المجلس خلق كثير، فجعل أمير المؤمنين يخاطبه، ويوقفه على ما رفع إليه، فعطس أمير المؤمنين فشمّته بالحضرة ممن قرب منه سواه، فإنه لم يشمّته، فقال له الرشيد: ما بالك لم تشمتني كما فعل القوم؟. فقال عافية: لأنك يا أمير المؤمنين لم تحمد الله، فلذلك لم أشمّتك. هذا النبي ﵁ عطس عنده رجلان فشمّت أحدهما، ولم يشمّت الآخر. فقال: يا رسول الله ما بالك شمّتّ هذا ولم تشمّتني؟. قال: لأن هذا حمد الله فشمّتناه، وأنت لم تحمد الله، فلم أشمّتك (٢).
(١) الخبر بالتفصيل في تاريخ بغداد ١٢/ ٣١٠، وتهذيب الكمال للحافظ المزي ١٤/ ٨. (٢) روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁: "أن رجلين عطسا عند النبي ﷺ فشمّت أحدهما ولم يشمّت الآخر، فقال الّذي لم يشمته: يا رسول الله شمّتّ هذا ولم تشمّتني؟ فقال رسول الله ﷺ: إنّه حمد الله وإنّك لم تحمد الله". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح وقد روي عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ. انظر: سنن الترمذي: المجلد الرابع. أبواب الاستيذان -