للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

العلم النفيس، وجلس في صدر التدريس، فأصبحت سوابح السيول تجري به، وصفائح السيوف دون تجريبه، وما زال على هذا حتى قعدت به الزمانة (١)، وقيدت تحته مكانه، فرنق كأس المرض آخر عمره، وكان هذا آخر أمره.

مولده سنة ستين ومائتين. تفقّه على أبي سعيد البردعي، ولقي أبا خازم القاضي، وحضر مجلسه، وسكن بغداد، ودرس بها فقه أبي حنيفة، حتى اشتهر ذكره في الآفاق، وبرع له غلمان حذاق، وخرج منهم علماء ومدرّسون، وقضاة.

وكان مع غزارة علمه وكثرة رواياته، عظيم العبادة، كثير الصوم والصلاة، صبورا على الفقر والحاجة، منقبضا عن الدولة، مقبلا على نشر العلم وبثه متقشفا، وله في المذهب قدم راسخ (٢).

قال الصّيمري: صار التدريس ببغداد بعد أبي خازم، وأبي سعيد البردعي إلى أبي الحسن الكرخي، وإليه انتهت رياسة أصحاب أبي حنيفة، وانتشر أصحابه في البلاد.

قال الصيمري: لما أصاب أبا الحسن الكرخي الفالج في آخر عمره حضرته وحضر أصحابه أبو بكر الدامغاني، وأبو علي الشاشي، وأبو عبد الله البصري، فقالوا: هذا مرض يحتاج إلى نفقة وعلاج، وهو مقلّ، ولا يجب أن نبذله للناس، فيجب أن نكتب إلى سيف الدولة بن حمدان، ونطلب منه ما ينفقه عليه، ففعلوا ذلك.

فلما أحسّ الشيخ بما هم فيه، فسألهم عن ذلك، فأخبروه، فبكى. وقال:

اللهم لا تجعل رزقي إلا من حيث عوّدتني. قال: فمات قبل أن يحمل سيف


= الحفاظ ٣/ ٨٥٥، ومرآة الجنان ٢/ ٣٧٣، وتاج التراجم ٣٩، وكتائب أعلام الأخيار برقم ١٥٦، والطبقات السنية برقم ١٣٧٤.
(١) الزمانة: العاهة المستديمة.
(٢) تاريخ بغداد ١٠/ ٣٥٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>