للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وإن حدّثت به أحدا ضربت عنقك. اعلم أني لما هممت بالطّلوع، فما هو إلا أن وضعت يدي على رأس الحائط، وصعدت، وإذا بأسد عظيم قد لطمني فألقاني، وأنا أستغفر الله مما جرى، ولا بد لي في غد من زيارة هذا الشيخ.

فلما كان في الغد، أتى شمس الملوك إلى الشيخ وزاره، واستغفر، وتاب، ثم كان من بركة الشيخ أن ذلك القصر وقف خانقاه (١) على الصوفية إلى الآن بطريق النيرب.

وقال أبو العلي ابن أمين الدولة: كان سبب توبة نور الدين محمود بن زنكي عن شرب الخمر، وإقباله على الخير والصلاح: أنه دخل ذات يوم على البلخي يزوره، فأخذ الشيخ يعظه، فرقّ قلبه، وبكى. فقيل للشيخ سرا: اذكر له في الخمر شيئا. فشرح الشيخ، وأطنب في ذكر الخمر، وذكر ما جاء فيها من الأحاديث، ونور الدين يبكي، ولم يزل حتى تاب نور الدين على يد الشيخ توبة نصوحا في ذلك الوقت.

قال ابن العديم: حدثني ابن قاضي العسكر، قال: حدثني جماعة من الفقهاء من أصحاب البلخي، منهم والدي، قال: عمّر آبق صاحب دمشق دارا فاحتاج فيها إلى رخام، فذكرت له أسكفة (٢) عظيمة من الرخام على باب مسجد دمشق، فأمر بقلعها، وعمل أسكفة عوضها من غيرها، فجاؤوا واقتلعوها، وحملوها، ومعهم الملاهي لحملها، فبلغ الخبر الشيخ، فخرج من منزله وتبعه جماعة من الفقهاء، وجعل لا يمر بمحلّة إلا اجتمع معه خلق منها، حتى كثروا جدا، ولا يعلمون إلى أين يذهب.


(١) الخانقاه: فارسية معناها: بيت، وأصلها "خونقاه" أي الموضع الذي يأكل فيه الملك، و"الخوانق" حدثت في الإسلام في حدود سنة ٤٠٠ هجرية، وجعلت لتخلي سادتنا الصوفية - نفعنا الله بهم - فيها لعبادة الله تعالى. انظر: التعريف بمصطلحات صبح الأعشى ١١٥.
(٢) الأسكفّة، كطرطبّة: خشبة الباب التي يوطأ عليها.

<<  <  ج: ص:  >  >>