فلقيهم في الطريق ومعهم الأسكفة، فقال لهم: ارجعوا، فلم يسعهم إلا امتثال أمره، فعادوا، ووضعوها في مكانها، ثم أتوا إلى آبق صاحب دمشق، فأخبروه، فأنكر عليهم امتثال أمرهم، فقالوا: لو لم نفعل ذلك هلكنا، من كثرة الخلق علينا.
فأنفذ إليه، فقال له السلطان: دمشق لك هبها لي! (١).
فقام، وخرج ماشيا، حتى أتى بصرى، والوالي بها ربيع الإسلام أمين الدولة، فأكرمه، وأحسن إليه، وأنزله في مدرسة كانت له هناك. فوقع بين صاحب دمشق ووالي بصرى خلاف، فأتى صاحب دمشق إلى بصرى، محاصرا لها. فأرسل إلى واليها: أنفذ إليّ البلخي ليصلح بيننا. فقال ربيع الإسلام للشيخ: إن هذا الجبار قد سأل أن تخرج إليه. فأجابه الشيخ إلى ذلك، فخرج إليه، فالتقاه صاحب دمشق، وأكبّ على قدميه يقبلها، والشيخ لا يرفعه عنهما، ثم قال له: ما جئت إلا لأجلك، فإني لم ألق خيرا منذ خرجت!. ولا لقيت [في] دمشق خيرا منذ خرجت، ولا بدّ من الرجوع إليها معي، وأخذه معه وعاد، فتلقّاه أهل دمشق أحسن لقاء.
قال ابن العديم في تاريخه: "أنا (٢) داود بن عمر خطيب بيت الأبار، حدثني عبد الرحمن بن عساكر، قال: أحكي لك حكايتين عن الشيخ البلخي:
أما إحداهما: فإنه استفتي في قضية فأفتى بها، فحمل صاحب الفتيا الفتوى إلى ديوان نور الدين، فلم يعملوا بها، فجاء إلى الشيخ، فحكى له ذلك، فشقّ عليه وقال: بلد لا يعمل فيها بما يفتي به الفقهاء لا أسكنه!!!. وقام ولبس ثيابه، وخرج ليرحل من دمشق، فبلغ ذلك نور الدين، فخرج في أثره، فلحقه في المزّة،