للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

جهة واحدة، وهذا الذي يقوله مذهب المعتزلة، وجرى بينهما كلام في ذلك، فرفع الكاساني على ذلك الفقيه المقرعة، فتأذّى ملك الروم، وقال لوزيره: هذا قد افتأت (١) على الرجل، فاصرفه عنه.

فقال الوزير: هذا الرجل شيخ العلم، وله حرمة وافرة، ولا ينبغي أن نصرفه، بل ننفذه رسولا إلى نور الدين محمود بن زنكي، ونتخلّص منه بهذه الطريق، فسيّر من الروم رسولا إلى حلب، وكان قدم الرضي السرخسي صاحب المحيط حلب، فولاه السلطان نور الدين المدرسة الحلاوية، وكان في لسانه لكنة، فتعصّب عليه جماعة من الفقهاء الحنفية، وصغّروا أمره عند نور الدين، فأوجب ذلك عزله عن التدريس، فاتفق وصول الكاساني في الرسالة إلى نور الدين، فاحترمه وأكرمه، فاجتمع فقهاء المدرسة، وطلبوا من السلطان أن يولّيه التدريس، فعرض عليه نور الدين ذلك، فأجاب إلى ذلك، وقال: هذه الرسالة أمانة معي، فإذا أعدت الجواب إليهم، عدت بعد ذلك.

فكتب نور الدين خطه للكاساني بالمدرسة، فرجع وأعاد الجواب، وبسطت له سجادة بالمدرسة، وكانت تبسط كل يوم، ويجتمع الفقهاء حولها، إلى أن عاد.

فخرج جماعة عظيمة من الفقهاء، وتلقّوه، وأكرمه السلطان، وفوّض إليه النظر في أمر المدرسة، وزاوية الحديث بالجامع، فحدّث، ودرّس أيضا بالمدرسة الجاولية (٢).

قال ابن العديم: وكان حريصا على تعليم العلم، ونفع الطبة، مواظبا على ذكر الدرس، فقيها، عالما، صحيح الاعتقاد، كثير الذمّ للمعتزلة وأهل البدع، مصرّحا بشتمهم ولعنهم في دروسه، وصنّف في الفقه والأصول (٣).


(١) أي افترى وتجاوز الحد.
(٢) المرجع السابق ٤٣٥١ - ٤٣٥٢.
(٣) المرجع السابق ٤٣٧٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>