وكان له حصان يركبه ولا يركب غيره، ويقول: لا يركب الفحل إلا الفحل.
وكان له رمح يصحبه في الحضر والسفر، وكان عنده نخوة الإمارة، وعزة النفس، وكان شجاعا، وكان لا يأكل في عمره إلا اللحم المطبوخ بالماء والحمّص.
قال ابن العديم: "وحدّثني والدي، قال: كان الكاساني كثيرا ما يعرض [له] النقرس (١) في رجليه، ووجع المفاصل، وكان يحمل في محفّة من منزله، ويخرج إلى الفقهاء. ويذكر الدرس ولا يمنعه ذلك الألم من الاشتغال، ولا يخلّ بذكر الدرس، وإن نور الدين ربما عاده في بعض الوقت (٢).
قال: ولم تزل حرمة الكاساني تعظم وتزيد، ويرتفع أمره عند نور الدين ومن بعده من الملوك إلى أن تناقصت في أيام الملك الناصر صلاح الدين، فلزم مكانه بالمدرسة، ثم عظم بعد ذلك أمره عند الملك الظاهر غازي، وما زال يحترمه إلى أن مات، وكان يصعد إلى القلعة راكبا، وينزل حيث ينزل الملك الظاهر، فاتّفق أن صعد يوما والفقهاء بأجمعهم بين يديه، فلما وصل إلى باب القلعة، قام البوّاب، وقال: يدخل الشيخ ويرجع الفقهاء!. فلوى الشيخ عنان حصانه، وقال:
يرجع الشيخ أيضا، فبلغ الملك الظاهر ذلك، فأرسل في الحال من أدخل الشيخ والفقهاء إلى مجلس السلطان (٣).
قال ابن العديم: وسمعت قاضي العسكر يقول: قدم الكاساني دمشق، فحضر إليه الفقهاء، وطلبوا منه الكلام معهم في مسألة، فقال: أنا لا أتكلم في مسألة فيها خلاف أصحابنا، فعينوا مسألة. فعيّنوا مسائل كثيرة، فجعل يقول:
ذهب إليها من أصحابنا فلان، فلم يزل كذلك حتى إنهم لم يجدوا مسألة إلا
(١) النّقرس، بالكسر: ورم، ووجع في مفاصل الكعبين وأصابع الرّجلين. (٢) بغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم ١٠/ ٤٣٤٨. (٣) المرجع السابق ١٠/ ٤٣٥٣.