ولما وضعت الأيدي واحتيط على البساتين في الدولة الظاهرية، حضر السلطان بدار العدل، وجرى الكلام في ذلك، فتكلم القاضي شمس الدين عبد الله - المذكور - من بين الحاضرين. وقال: اليد لأرباب الأملاك، ولا يحل لأحد أن ينازعهم في أملاكهم، ومن استحلّ ما حرّم الله فقد كفر.
فغضب السلطان الملك الظاهر غضبا شديدا، وتغير لونه، وقال: أنا أكفر؟.
فجعل بعض أرباب الدولة يسكّن غضبه، ويقول: القاضي إنما اشار بالتكفير إلى من أفتى السلطان بذلك. وكان الذي حمل القاضي على ذلك مخافة الله ﷿، وخشيته. وألقى الله على خاطره في ذلك الوقت قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللّهُ مِيثاقَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ (١).
وكانت العقبى إلى سلامة وخير. وصار للقاضي منزلة عند السلطان، وعلم دينه وصدقه في المقالة، وعظم في عينه، ثم كان يقول: لا تثبتوا كتبنا إلا عند القاضي الذي شتمنا! (٢).
توفي - رحمه الله تعالى - يوم الجمعة، ثامن جمادى الأولى، سنة ثلاث وسبعين وستمائة، ودفن بقاسيون (٣).
(١) سورة آل عمران - الآية ١٨٧. (٢) تاريخ الإسلام للذهبي ٥٠/ ١٣٢. (٣) قال الذهبي: "وشيّعه خلائق، ولم يخلف بعده مثله". تاريخ الإسلام ٥٠/ ١٣٢.