قد فعل بديار مصر في العام الأول كذلك، ولّوا أربعة، كل واحد منهم قاضي القضاة من المذاهب الأربعة، ولكل واحد منهم نائب، فلما وصلت العهود الثلاثة لم يقبل المالكي والحنبلي، واعتذرا بالعجز والتقصير، وقبل الحنفي لأنه كان نائبا للشافعية، واستمر على الحكم، ثم ورد الكتاب بإلزامهما، وأخذ ما بأيديهما من الأوقاف إن لم يفعلا. فأجابا، ثم أصبح المالكي وأشهد على نفسه بأنه عزل نفسه عن القضاء وعن الأوقاف، فترك، واستمر الحنبلي، ثم ورد الأمر بإلزامه فقبل، واستمر الجميع لكن امتنع المالكي والحنبلي من أخذ جامكية (١) على القضاء، وقالا: نحن في كفاية، فأعفيا منه (٢).
قال أبو شامة (٣): " ومن العجب اجتماع ثلاثة على ولاية قضاء القضاة في زمن واحد، كل واحد منهم لقبه شمس الدين، واتفق أن الشافعي منهم استناب (٤) أيضا من لقبه شمس الدين!، فقال بعض الظرفاء:
أهل دمشق استرابوا … من كثرة الحكام
إذ الجميع شموس … وكلهم في ظلام
وقيل أيضا (٥):
بدمشق آية قد … ظهرت للناس عاما
كلّما ولي شمس … قاضيا زادت ظلاما
(١) الجامكية: من الفارسية: "كلمة" بمعنى اللباس، والجامكية في الاصطلاح: الجراية الشهرية تعطى من غلة الوقف، انظر: التعريف بمصطلحات صبح الأعشى: ٥٩. (٢) الجواهر المضية للقرشي ٢/ ٣٣٨. (٣) انظر: ذيل الروضتين ٢٣٦، والطبقات السنية، والجواهر المضية نقلا عنهما. (٤) كذا تقرأ هذه اللفظة في الأصل ولا معنى لها. (٥) المرجع السابق نفسه.