منه ذلك فامتنع. وقال: هذه رواية عن أبي يوسف، وأنا لا أعمل بها. فولّى السلطان بمصر سراج الدين عمر صهر السروجي حاكما. وعزل ابن الحريري عن الحكم بمصر دون القاهرة. وأجاب سراج الدين إلى الحكم بالاستبدال واختاره.
وبقي على قضاء مصر مدة يسيرة ثم مات قبل أن يحكم بالاستبدال. وأعيد ابن الحريري فعظمت مكانته عند السلطان بهذه الواقعة، وخلع عليه ليلة عيد الفطر. وكان ذلك سنة سبع عشرة وسبعمائة، ولم يزل متولي الحكم إلى أن توفي يوم السبت خامس جمادى الآخرة، سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. وكان له جنازة عظيمة (١).
وكان حسن السيرة في منصب الحكم، له همة ونهضة، وعليه مهابة، وله وقع في قلوب الأكابر والأصاغر، والخاص والعام، وله قصد في استخلاص الحقوق، وفصل القضايا، وهو موصوف بالطريقة الحميدة، والنزاهة والديانة، نقيّ العرض، لا يقبل لأحد هدية ولا رشوة، القريب والبعيد عنده سواء في الحق، وكان ملازما للاشتغال وإعادة محفوظاته، وله أوراد في ذلك، وكان فيه مودّة لأصحابه ومعارفه، كثير النفع لهم.
(١) قال الصفدي: "وكانت له جنازة عظيمة، وعمل له مجلس عزاء في المسجد الأموي بدمشق". انظر: أعيان العصر للصفدي ٤/ ٥٦٤ - ٥٦٥.