فنزل عن دابّته، وصادف راعيا لأبيه، فأخذ جبّته، وكانت من صوف، فلبسها، وأعطاه ثيابه، وقماشه، وفرسه.
ثم دخل مكة، وصحب بها سفيان الثوري (١)، والفضيل بن عياض (٢)، ثم ارتحل إلى الشام، وأقام بها.
وكان يأكل من عمل يده؛ مثل: الحصاد، وعمل البساتين، وغيرهما.
وصادف في بعض البراري رجلا علّمه "اسم الله الأعظم" فدعا به، فرأى الخضر ﵇. (٣)
وكان ﵁ كبير الشان في باب الورع:
يحكى عنه أنه قال:"أطب مطعمك، ولا حرج عليك أن لا تقوم الليل ولا تصوم النهار".
(١) هو سفيان بن سعيد الثوري، ولد سنة ٩٧ هجرية، وتوفي بالبصرة سنة ١٦١ هجرية، وكان عالما عابدا زاهدا، كانوا يسمونه أمير المؤمنين في الحديث، وكان لا يعلم أحدا العلم إلا إذا تعلم الأدب والتزمه. وكان يقول: إذا فسد العلماء فمن بقي في الدنيا يصلحهم؟ ثم ينشد: يا معشر العلماء يا ملح البلد … من يصلح الملح إذا الملح فسد وكان إذا جلس للعلم، وأعجبه منطقه، يقطع الكلام خوفا من الغرور، ويقوم، ويقول: أخذنا ونحن لا نشعر!، وكان يملي الحديث، ويقول: والله لو رآني عمر بن الخطاب لضربني بالدرة، وأقامني، وقال: "مثلك لا يصلح للحديث". وكان يقول للناس إذا طلبوا منه الحديث: "والله ما أرى نفسي أهلا لإملاء الحديث، ولا أنتم أهلا لأن تسمعوه، وما مثلي ومثلكم إلا كما قال القائل: " افتضحوا فاصطلحوا ". وكان قد امتنع من الجلوس للعلم، فقيل له في ذلك فقال: والله لو علمت أنهم يريدون بالعلم وجه الله لأتيتهم في بيوتهم وعلّمتهم، ولكن إنما يريدون المباهاة وقولهم حدثنا سفيان". انظر: خلاصة تذهيب الكمال ١٢٣، وتاريخ بغداد ٩/ ١٥١ - ١٧٤. (٢) هو أبو علي الفضيل بن عياض بن مسعود التميمي اليربوعي شيخ الحرم، من أكابر العباد الصلحاء. كان ثقة في الحديث، أخذ عنه الإمام الشافعي، ومولده في سمرقند سنة ١٠٥ هجرية، وتوفي بمكة سنة ١٨٧ هجرية. (٣) وقال له: إنما علّمك أخي داود الاسم الأعظم، فلا تدع به على أحد بينك وبينه شحناء، فتهلكه هلاك الدنيا والآخرة، ولكن ادع الله أن يشجّع به جبنك، ويقوّي به ضعفك، ويجدّد به في كل ساعة رغبتك، ثم انصرف وتركه. "طبقات الصوفية للسلمي ٣٠ - ٣١، الرسالة القشيرية ١/ ٥٥".