للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال الفضيل: " لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت عليّ ولا أحاسب بها لكنت أتقذّرها، كما يتقذّر أحدكم الجيفة إذا مرّ بها أن تصيب ثوبه " (١)

وقال: " ترك العمل لأجل الناس هو الرياء (٢)، والعمل لأجل الناس (٣) هو الشرك".

وقال أبو علي الرازي: صحبت الفضيل ثلاثين سنة، ما رأيته ضاحكا، ولا مبتسما (٤)، إلا يوم مات ابنه علي، فقلت له في ذلك؟. فقال: " إن الله أحبّ أمرا فأحببت ذلك".

وقال الفضيل: " إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي ". (٥)

حكى في" مناقب الأبرار " (٦) عن سفيان بن عيينة قال: قال لي الرشيد: أريد أن ألقى الفضيل بن عياض، لعلّ الله أن يحدث لي عظة أنتفع بها. فقلت له: والله! إنّ ذلك لحبيب إليّ، ولكنه رجل قد أخذ نفسه بخدمة الله تعالى، فما لأحد فيه حظ، وأكره أن تراه متصوفا في بعض حالاته من عبادة ربه ﷿ فتوهم عليه جفاء،


(١) ويحكى أن الرشيد قال له يوما: ما أزهدك!، فقال الفضيل: أنت أزهد مني!. قال: وكيف ذلك؟. قال: لأني أزهد في الدنيا، وأنت تزهد في الآخرة، والدنيا فانية، والآخرة باقية.
(٢) أي أن العمل لأجل ثناء الناس يكون هو الرياء بعينه.
(٣) أي العمل حبا في المحمدة؛ أو نيلا لعرض فان.
(٤) فيه دليل على كمال حزنه في سائر أوقاته ، وإنما يتكلف الضحك والسرور بموت ولده على خلاف عادته، لأنه علم أن الله تعالى يحب منه هذه الحالة، لكونه دليل الرضا بقضائه . قال ابن خلّكان: وكان ولده المذكور شابا سريا من كبار الصالحين، وهو معدود من جملة من قتلتهم محبة الباري ، وهم مذكورون في جزء سمعناه قديما ولا أذكر الآن من مؤلفه" انظر: وفيات الأعيان "٤/ ٤٩.
(٥) أي بأن يتعاصى عليه حماره، وهذا يفعله الله سبحانه حفظا لأوليائه إذا قصروا في أحوالهم فيما بينهم وبينه، أدّبهم ليرجعوا إليه بسرعة، وتارة يعكس عليهم أسباب دنياهم، وتارة أخرى أسباب آخرتهم من تغير قلوبهم، وعدم نشاطهم، فإذا رجعوا إليه بالتذلل والسؤال منّ عليهم بشريف نواله.
(٦) مناقب الأبرار ومحاسن الأخيار، تأليف الشيخ الإمام تاج الإسلام أبي عبد الله حسين بن نصر بن أحمد المعروف بابن خميس الموصلي الشافعي، المتوفى سنة ٥٥٢ هجرية، وهو على طراز الرسالة القشيرية، وقد اختصره وذكر فيه أنه تتبع مسموعاته، وممّا جمعه العلماء من أخبار الصالحين، كطبقات السلمي، والحلية، وبهجة الأسرار، وتهذيب الأسرار، والرسالة القشيرية، فجمع الجميع بحذف الأسانيد. " انظر: كشف الظنون "لحاجي خليفة ٢/ ١٨٣٥".

<<  <  ج: ص:  >  >>