للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال الجنيد: منذ مات النوري لم يخبر عن حقيقة الصدق أحد. (١)

وقال أبو أحمد المغازلي: ما رأيت أعبد من النوري، قيل: ولا الجنيد؟. قال: ولا الجنيد. (٢)

وقال أبو الحسين النوري: "التصوف: ترك كلّ حظّ للنّفس. " (٣)

وقال: "أعزّ الأشياء في زماننا شيئان: - ما لم يعمل بعلمه، وعارف ينطق عن حقيقة. " (٤)

وقال: "من رأيته يدّعي مع الله حالة تخرجه عن حدّ العلم الشرعي، فلا تقربنّ منه. " (٥)

وقال: "كانت المراقع غطاء على الدرّ، فصارت اليوم مزابل على جيف". (٦)

وقيل: كان رحمه الله تعالى يخرج من داره كل يوم، ويحمل الخبز معه، ثم يتصدّق به في الطريق، ويدخل مسجدا يصلي فيه إلى قريب من الظهر، ثم يخرج منه، ويفتح باب حانوته، ويصوم. (٧)

فكان أهله يتوهّمون أنه يأكل في السوق، وأهل السوق يتوهّمون أنه يأكل في بيته.

وبقي على هذا (٨) في ابتدائه عشرين سنة!!.

توفي رحمه الله تعالى سنة خمس وسبعين ومائتين (٩).


(١) الرسالة القشيرية ١/ ١٢.
(٢) تاريخ بغداد ٥/ ١٣١، والرسالة القشيرية ١/ ١٢٣.
(٣) طبقات الصوفية ١٦٦/ ٣، وطبقات ابن الملقّن ٦٣/ ٣.
(٤) طبقات الصوفية ٢/ ١٦٩.
(٥) الرسالة القشيرية ١/ ١٢٣.
(٦) والمراقع كانت شعار الفقراء الصوفية في ذاك الوقت، وهي ما تعرف بالمرقّعات، أي اللباس المرقّع، وكانت لا يلبسها إلا الفقراء، لكن لما دخل على طريقهم من ليس منهم وإنما تشبّه بهم ليأكل الدنيا، تغير حكمها، كما قال بعض العارفين: "أمرناهم بها لهدم النفوس فاستعملوها لجلب الفلوس فصارت في مذهبنا حراما".
(٧) أي يصوم بقية يومه. طبقات الأولياء ٦٤/ ٦، والرسالة القشيرية ١٢٤.
(٨) أي على هذا الحال من إخفاء أمره في عبادته ومجاهدته مدة عشرين سنة.
(٩) قال في الكواكب الدرية ١/ ٩٦: أن سبب وفاته لما سمع هذا البيت:
لا زلت أنزل من ودادك منزلا … تتحيّر الألباب دون نزوله
فتواجد، وهام في الصحراء، فوقع في أجمة قصب قد قطع، وبقيت أصوله مثل السيوف، وكان يمشي عليها ويعيد البيت إلى الغداة، والدم يسيل من رجليه، ثم وقع مثل السكران، فوقت قدماه ومات.

<<  <  ج: ص:  >  >>